رئيس التحرير لا يشاهد التلفاز
قد يعطي آلان روسبردجر، رئيس تحرير صحيفة الغارديان اللندنية، انموذجاً لرئيس تحرير مثالي، لكنه وفق التقويم المفرط بالتفاؤل لا يمكن أن يعد مثالاً قائماً كي ياخذه بقية رؤساء التحرير في الصحف العربية أو على الاقل من يتبوأ الموقع لاول مرة.
ومناسبة هذا الكلام ان رئيس تحرير صحيفة الغارديان البريطانية لم يرم ما يشبة "القنبلة الالكترونية" التي رماها رئيس تحرير مجموعة التلغراف البريطانية غريج هادفيلد الشهر الماضي وترك منصبه بسبب فقدانه الثقة بالصحافة الورقية.
انما دافع روسبردجر بهدوء وروية عن صحافته الورقية أمام حشد من الاكاديميين والاعلاميين في لندن مؤخراً، مؤكداً "ان الصحافة الورقية لن تدخل في غياهب النسيان".
دعونا نتأمل طبيعة يوم هذا الرجل كي نضع مواصفات افتراضية لرئيس التحرير، أو على الأقل نتفق على دلالة التسمية وما تشكله من تداعيات!
يستيقظ رئيس تحرير الصحيفة التي أسست عام 1821 باكراً، وبين السابعة والتاسعة الا ربعا يتابع الاخبار ويتصفح الجرائد، وحين يصل للمكتب يقرأ المزيد من الصحف، إلى ان يحين وقت اجتماع التحرير الصباحي في العاشرة صباحا، يتبعها اجتماعات اخرى للاخبار، الا ان عمله لا ينتهي بحلول المساء فهو في معظم الاوقات ضيف شرف او مدعو إلى مناسبة تتطلب وجوده كرئيس تحرير. وهو يتابع الصحيفة حتى موعد خروجه ولا يتدخل عادة في العناوين او النصوص، تصله الطبعة الأولى في منزله حوالي الساعة التاسعة، وفي حال وجود تعديلات ضرورية فانه يتصل بالمكتب لاجرائها.
من النادر ان يشاهد روسبردجر التلفزيون، ويقول ان البرنامج الوحيد الذي يتابعه هو"نيوزنايت" "برنامج يعالج تداعيات الاخبار بالتحليل والحوار يبث مساء كل يوم على البي بي سي".
يلجأ روسبردجر للموسيقى للاسترخاء، فهو يعزف البيانو والمزمار.. ويأخذ هذه الهواية على محمل الجد.
صورة مثالية مفعمة بالهدوء لرئيس تحرير لا يمكن أن يمارس دور "شرطي فكر" كما هو معتاد في بلداننا العربية، يتلقى الاوامر من مكتب رئاسة الدولة وينقلها بتعال للمحررين وكأنها صادرة منه!!
فهل بمقدور الصورة الشائعة عن رئيس التحرير المنفعل طول اليوم، المتشنج، المبالغ في حرصه، القلق الذي يهمل حياته الخاصة من أجل مصلحة الصحيفة، الذي لايدع كلمة تمر دون الاطلاع عليها، يتابع موضع النقاط في مواقعها... أن تتغير مع نهوض جيل مهني متعلم قادر أن يفكر بوضوح ويعبر عما يريد؟
أنا ادرك تماماً أن الامر مختلف بين موقع روسبردجر الذي يشغل منصبه منذ 15عاماً واي رئيس تحرير صحيفة عربية معين بقرار رئاسي، لكن خذ مثلا أجابته على سؤال عن هل يتصل به رئيس الوزراء البريطاني؟ هل يهنئه او يوبخه او يطلب منه أمراً؟
ـ تقريبا أبدا، كذلك يقول روسبردجر، ودعني اشير مجددا لثقافة الـ"غارديان".. فبحكم تركيبتنا حتى وان اتصل "كان يتحدث عن بلير آنذاك" ليتملق لي أو ليقربني إليه... فإن توازنات اخرى تتدخل لتلعب دورها، فستجد كتّاباً أو محررين يدخلون على الخط كأن يكتبوا ان رئيس الوزراء محتال أو مخطئ ولا استطيع ايقافهم او منعهم عن ذلك. أعتقد انه يدرك ذلك فيتركني وشأني.
فهل صورة آلان روسبردجر متناهية المثالية في وسط الميديا العربية؟
أعتقد انني بحاجة الى وقت مضاف يشترك فيه رؤساء التحرير في الصحف العربية للاجابة على مثل هذا السؤال!
من يتأمل بعناية يوميات آلان روسبردجر الذي يشغل منصبه في أكثر الصحف استقلالية في بريطانيا، يدرك ان هذا الصحفي لا يريد ان يدخل في "مواجهة خاسرة" مع الامبراطور روبيرت مردوخ في دفاعه الأخير عن الصحافة الورقية، من دون ان يتجاهل الاندفاع المضطرد للصحافة الالكترونية.
وفي رده على مردوخ المطالب بفرض تعريفة مالية على متصفحي مواقع وسائل الاعلام على الانترنت، أطلق آلان روسبردجر مجموعة من الاسئلة، من دون ان يشكك بالاسباب التجارية وراء فرض رسوم على المحتوى، لكنه اشار إلى التعامل مع أسباب أهم تدفع الصحف إلى التقرب أكثر من العالم المعاصر، وان يجد القارئ نفسه في الصحيفة كي لا يرميها من الوهلة الاولى.
وقال دعونا نتذكر قيام مردوخ من قبل بتسعير صحفه بمبالغ ضئيلة جدا تصل إلى اقل من سعر التكلفة من أجل الاستحواذ على الجمهور، وهو مردوخ نفسه الذي يطالب اليوم بفرض رسوم على دخول القارئ على موقع الصحيفة على الانترنت.
واتهم رئيس تحرير صحيفة الغارديان القائمين على المجموعة الاميركية الاعلامية "نيوز كورب" التي يملكها روبيرت مردوخ بستعير القيم لمهاجمة خصومها، فيما تتناسى انها تتعامل مع وسائل اعلام حرة.
وأكد على التقاليد الصحفية التي ارساها "فليت ستريت" في بريطانيا والعالم، وان المجتمع لا يقبل بالتنازل عن اتجاهات قائمة وراسخة من أجل صناعة تجارية.
وفتح روسبردجر نافذة في الجدل الورقي الرقمي بقوله: "ان الخلاف ليس في سطوة الثورة الرقمية على وسائل الاعلام، بل باختيار المجتمعات لخطابها وتنظيم أنفسها في ديمقراطية جديدة من الأفكار والمعلومات، وتغيير مفاهيم السلطة، واطلاق الابداع الفردي، ومقاومة خنق حرية التعبير".
وشدد بقوله "اذا أدارت وسائل الاعلام ظهرها للمجتمع من أجل انانية تجارية، والاكتفاء بفكرة ليس ثمة ما يمكن ان نتعلمه، فانها فقط ستدخل في غياهب النسيان".
ولم يعش روسبردجر العزلة المعاصرة مع قلمه بتأكيده "ان المستقبل للصحافة الورقية والرقمية جزء منه والاكثر تميز هو الذي يفرض نفسه ويوثق علاقته مع القارئ".
آلان روسبردجر يعتقد في معرض دفاعة عن الصحافة الورقية، انه لا يمكن معاملة صناعة وبيع الخبر كبيع عرض تحليلي لفيلم سينمائي جديد.
وركز على طبيعة محتوى الصحيفة الورقية أو على موقعها الالكتروني، مبيناً بأن على القارئ ان يدفع ليقرأ أو يقرأ دون مقابل، وهنا يكمن الاختلاف بطبيعة المحتوى،
اذ لا يمكن تمويل الصحافة بطريقة الرعاية القائمة، ولا يمكن في الوقت نفسه تكرار الية عصر المشاهد والقارئ التقليدي.
ودعا إلى استفادة الصحافة من دروس تطور عالم الاعمال وتقديم نماذج مختلفة، من دون ان تفقد قيمها أو حريتها، مشيرا في الوقت نفسه إلى فرض رسوم على محتوي متخصص ومطالبة القراء بدفع مال حين تقدم لهم خدمة خاصة.
واشار بقوله "اذ انحصر تفكيرنا بالاعمال التجارية على حساب الصحافة فاننا سنصاب بالشلل التام".
وتبدو تساؤلات رئيس تحرير الغارديان أشبه باجابة واقعية على الواقع المقترب بسرعة خيالية من المستقبل الالكتروني، حين أشار إلى ان الخدمة العامة التي تقدمها هيئة الاذاعة البريطانية "بي بي سي" لا يمكن مثلا ان تنزل إلى الخدمة التجارية لمجرد التنافس مع شبكة "سكاي نيوز" كما ان مواقع الحكومات والمنظمات غير الحكومية والعلماء وشبكات الفنون والجامعات تنشر محتوى مواقعها على الانترنت من دون ان تفكر بفرض رسوم عليه.
آلان روسبردجر احتفى بالاعلام الرقمي ووصفه بانه منارة للأمل، مثلما لم يبد خيبته بمستقبل الاعلام الورقي، كان يركز على المحتوى في السباق.
فمن يركز تفكيره على المحتوى الصحفي من دون أن يتأخر عن سباق التقنية، هنا يكمن السؤال والجواب معاً؟