زلة لسان ديمقراطية
أثارت الروائية جينات وينترسون الاعجاب في دخولها التلفازي على خط الانتخابات البريطانية المحتدم ولكن بقيّم، واستثمرت دراماتيكية رئيس حزب المحافظين ديفيد كاميرون في مط كلمة "نعم" سواء للتهكم او التأكيد على الموافقة، وهي متراجحة تحمل الوجهين...، البراعة بالكلام لا تثمر دائما إنجازات سياسية واقعية.
أو كما وصفه الكاتب يوهان هاري في صحيفة "الاندبندنت" أمس بان "كاميرون يخفي بوش في داخله".
كاميرون نفسه رمى ثقل التحدي في سلة الناخب بالامس وطالب في حوار خاص مع صحيفة "ايفنينغ ستاندرد" بمنحه أدوات الحكم التي يمتلكها غوردن براون لكي يحقق التغيير...! من يثق بهذا الكلام؟
جينات وينترسون اكتشفت ذلك وعلقت على كلمة "نعم" الممطوطة وكأنها جزء من "كاريزما" كاميرون، انه رجل "نعم" قبل الانتخابات، لكن كلمة "لا" ستتردد كثيرا من "10 داونغ ستريت" عند انتقاله الى مكاتبها، وما أسهل المسوغات حينها.
تماما كما يحدث اليوم مع غوردن براون، انه يتحدث من كرسي رئاسة الحكومة في حملته الانتخابية ويتصرف على وفق بروتوكولها، ولنا ان نتخيل الاعتذار الاعلامي العميق الذي قدمه أمس الاول للسيدة العجوز بعد زلة لسان كشفتها لاقطة الصوت المنسية على سترته والمرتبطة باجهزة الصحفيين.
اعتذر براون بنفسه بعد أن وصف ناخبة بأنها "امرأة متعصبة" في محاولة للحد من الضرر الناجم قبل الانتخابات البرلمانية.
وأطلق براون الوصف على جيليان دافي التي تبلغ من العمر 66 عاما والمؤيدة لحزب العمال بعد أن عاد الى سيارته عقب توقف بشمال انجلترا أثناء حملته الانتخابية، والتقط التعلىق مكبر للصوت كان براون يضعه في ياقة سترته.
وزار براون دافي في وقت لاحق في منزلها لتقديم اعتذاره.
وقال بعد أن قضى أكثر من 30 دقيقة بمنزل الجدة المتواضع في بلدة روتشديل "أحيانا ترتكب أخطاء وتستخدم كلمات غير مناسبة، وبعد أن تستخدم هذه الكلمة وترتكب خطأ يجب أن تسحبها وتقدم اعتذارات وافية وهذا هو ما فعلته".
وعرض التلفزيون لقطات لبراون واضعاً رأسه بين يديه بينما كان تعليقه يعاد بثه على مسمعه خلال مقابلة مع هيئة الاذاعة البريطانية.
لا أحد يعرف بماذا تحدث براون مع العجوز بعد ان منع الصحفيين من دخول المنزل، لكن ثمة أخبار تشير الى أن السيدة العجوز ستبيع قصتها مع براون الى أحدى الصحف!
فهل اعتذار رئيس الوزراء البريطاني جزء من سلوك وتقاليد الاعتذار الاجتماعية في الثقافة الانكليزية السائدة، أم انه تدارك لامر له دلالة انتخابية في وقت حرج؟
ثم دعونا نتأمل ما يحققه الشاب الطموح نيك كليغ زعيم حزب الديمقراطيين الاحرار برغم افتقاده الخبرة وفق معايير العمر، لكنه منافس منضبط يتعدى "وسامته" أو كما وصفه براون بـ "المناظر البارع".
مهما يكن من أمر، ثمة قيم عميقة تكشفها الانتخابات البريطانية للعالم اليوم، هي لا تبدو حدثاً محلياً كي لا يهتم به العالم، انما احتدامها المنضبط واختلاف احزابها بصوت عال لا يفتقد الى الكياسة وتقدير الاخر، يجعلها درساً مهنياً وسياسياً بامتياز.
قد نجد المعادل الاعلامي في حيادية "بي بي سي" التي ترافق نشاطات الزعماء الثلاثة وتتحرك بمستوى واحد وأحيانا تقسم الشاشة الى جزئين أو ثلاثة أجزاء للانتقال الى أحاديت متباعدة في آن واحد.
واذا كانت انتخاباتنا العربية توصف بـ"ديمقراطية النيران" كما في العراق، أو ديمقراطية الجوع والتلفيق والتوريث... فأن الدرس الذي تقدمه الانتخابات البريطانية من الشاشات ستقرب السياسيين العرب أكثر مما متوقع الى الشعور بالخجل وربما العار!