أيها الزعيم ماو لماذا خدعتنا؟

لندن
الصين في زمن الزي الموحد
ذاكرة الألم والندم

الكتاب: فتاة الوشاح الاحمر
المؤلف: جي لي يانج
المترجم: فرج الترهوني
الناشر: كلمة – هيئة ابوظبي للثقافة والتراث
الطبعة: الاولى – 2009 ابوظبي

يكاد يختصر ديفيد هنري كوانغ الاميركي من اصول صينية، ثيمة هذه الرواية- السيرة الذاتية، في مقدمة مفعمة بالتساؤل من دون ان تفقد الأمل!
فقد اخبرته جدته في طفولته عن عم له عاش في الصين آبان الثورة الثقافية، وكان قد وعد اقاربه في الولايات المتحدة أن يبعث لهم صورة فوتوغرافية له ولعائلته، قائلا ان سيكون واقفاً في الصورة إن كانت الاحوال العامة جيدة، وإن كانت عكس ذلك فسيرونه جالسا، لكنه كان مستلقياً على الارض في الصورة التي وصلتهم منه!
تلك المفارقة المريعة تكاد تنعكس على ثمية متن هذا الكتاب الذي يؤرخ لسيرة فتاة صينية أثناء الثورة الثقافية نهاية الستينات من القرن الماضي من دون ان يتخلى عن ادوات الرواية، انها سيرة ذاتية بمواصفات رواية!
ومن حس حظ الكاتبة (جي لي يانج) ان مترجم عملها "فتاة الوشاح الاحمر" الى العربية كان ليبياً فثمة تقارب في الفوضى التي سببتها الثورة الثقافية الصينية وماعاشه الليبيون آبان فترة الزحف الاخضر!
المترجم فرج الترهوني يكاد يتحسس أكثر من غيره الصورة التي يترجمها وكأنه متواجد في طرقات شنغهاي.

بدأ الثورة الثقافية

رواية "فتاة الوشاح الاحمر" كتبت بالانكليزية عن الفتاة (جي لي يانج) التي كانت عام 1966 في الثامنة عشرة من عمرها وطالبة متميزة، ولديها كل ما تصبو اليه: الذكاء والمقدرة واعجاب اقرانها ومستقبل باهر في صين الزعيم ماو الجديدة، لكن هذا الوضع تغير مع بدأ الثورة الثقافية حين صار الذكاء جريمة، وحين أمسى الرفاه المادي لعائلة ما في السابق، مدعاة للاضطهاد وسلب الكرامة والمراقبة وكيل التهم الملفقة ومصادرة اثاث البيت.
كذلك اهينت جي لي يانج وعائلتها طوال السنين الثلاث التي تسرد الرواية وقائعها بلغة مبسطة وكأنها شاهدة أكثر مما تمارس دور الايحاء واللعب على مديات اللغة.
عاشت عائلة الفتاة في ظل خوف دائم وتخلى اصاحبهم وجيرانم وزملائهم عنم لمجرد ان فلسفة الزعيم ماو الثقافية تصادر كل ما له علاقة بالقديمات الاربع ومحاسبة الاشخاص على ثراء ابائهم وتصنيف العوائل حسب وضعها الطبقي الى سوداء عندما تتمتع بشيء من الرخاء او كانت كذلك، وفتح الباب امام الطبقات الهامشية والفقراء للاستحواذ على ممتلكاتها الشخصية!
انه أمر يدعو الى الحيرة عندما تخشى اسرة من السلطات لمجرد ان في منزلها خزانة او كرسي من الخشب الثمين او لديهم مدبرة منزل ويعد مجرد وجودها معاديا للثورة، او يحاسب رجل يرتدي بنطال ليس حسب المواصفات التي حددها الزعيم ماو ويهان ويمزق بنطاله في الشارع امام المارة ويتهم بالعمالة للغرب "كم سنجد ما يشبه مثل هذه الحالات حدثت في المجتمعات العربية، فهل تأثر الزعماء العرب بثورة ماو الثقافية؟".
تسرد الكاتبة شهادتها عن هجوم مجموعات الحرس الاحمر على رجل في الشارع ارتدى بنطالأ ضيقاً في نهايته فيحاكم امام كل المارة ويهان بطريقة مذلة ويتم قياس عرض البنطال بواسطة قنينة للتاكد ان عرضه من الاسفل أقل مما يدعو له الزعيم! حتى انهم يقابلون احتجاجه بانه اشترى البنطال من السوق الحكومي بالسخرية، فحتى الاسواق الحكومية فيها بضاعة تتعارض مع توجيهات الزعيم الذي يريد ان يجعل كل الصينيين على قدم المساواة!
يمزق بنطال الرجل من الاسفل ويتحمل الاهانة صامتاً فيما تتناقض ردود فعل المتجمهرين في الشارع بين شامت وساخط يخفي دموع الألم والخوف.

الاذلال الثوري

كيف نتصور درجات المذلة عندما تقوم مجموعات الحرس الاحمر بارغام عجوز على تنظيف الشارع المجاور لبيتها لمجرد انها ولدت في عائلة ثرية، او مصادرة كتب قصص الاطفال لانها مترجمة من قصص خيالية غربية... مثل هذه الفوضى تعم المجتمع الصيني وتمارس الكاتبة هنا دور المؤرخة لفترة قاسية وكيف ينعكس ذلك على مزاج التلاميذ ويدفعهم الى التنابز بالالقاب "انت من عائلة سوداء برجوازية وانا من عائلة حمراء شيوعية".
تمنع (جي لي يانج) من الدخول الى فرقة الرقص رغم مواصفاتها المتميزة وذكائها لمجرد ان تاريخ عائلتها لا يتوافق مع التصنيفات التي حددها الزعيم ماو، ومن هنا تتدفق احداث الرواية- السيرة بسلاسة وهدوء رغم الوجع والخيبة والمذلة الذي يسكن متنها.
تعرض لسيرة الاب الممثل المسرحي عندما يعتقل ويعذب لمجرد انع ابن مالك اراضي سابق كان يستغل الفلاحين واتهامه بالاستماع الى اذاعات اجنبية من دون ان يفعل ذلك حقاً، ومن ثم تفاقم القلق والخوف من اي شيء يرتبط بالماضي من الملابس والاثاث وصولا الى الفكرة الافتراضية لافكار الانسان "كيف يمكنهم تخمين ما افكر به.. يا للحيرة؟".
مع كل ذلك تبقى الكاتبة البطلة جي لي يانج ملخصة لوطنيتها ومحبة للزعيم ماو، حتى ان الافكار تراودها للتخلص من اسم عائلتها البرجوازي، وكل هذا ليس معادلاً للانتهازية التي تكشف عنها بعض شخصيات الرواية، مثل الفتاة التي تبرأت من عائلتها حباً بافكار الزعيم ماو.
جي لي يانج تعيش التناقض باقسى صورة فهي تعرف عائلتها المخلصة لقيمها الانسانية وليس لديها اي تصرف يتعارض مع مصلحة الوطن، في الوقت الذي ترفض الاعتراف الكاذب على والدها فتواجه الاذلال والمهانة.

لا أكره الزعيم!

تجيب جي لي يانج في نهاية الرواية ببساطة على سؤال عن اسباب عدم كرهها للزعيم ماو أو للثورة الثقافية آنذاك بعد كل ما عانته، بالقول "كانت ادمغتنا مغسولة".
وهي اجابة تتفق مع طبيعة حياتها الجديدة في الولايات المتحدة حيث عاشت الحرية بمواصفات الحلم الاميركي، وما مضى بالنسبة لها صورة عائمة زاد من غموضها الاعلام الغربي.
تقول عن ذلك "بالنسبة لنا كان الزعيم ماو عبارة عن إله، فهو يسيطر على كل ما نقرأة وكل ما نسمع، وكل ما نتعلم في المدرسة، ومن ثم كنا نصدق كل ما يقول".
بطبيعة الحال لم يصل ليانج الا كل ماهو مضيء عن الزعيم وعن الثورة الثقافية، وما غير ذلك كان خطأ الاخرين، أما ماو فلا لوم عليه.
كذلك تؤكد هذا الكلام عبر سؤال احدى شخصيات الرواية الحقيقية وهي سيدة اجبرت على تسلق مدخنة المصنع الذي تعمل فيه واهينت لاسباب باهته لا تتوافق مع مبادئ الثورة الثقافية، بالقول انها لا تكره الزعيم ماو رغم تعرضها للظلم! تؤكد هذه المرأة بقولها: "لقد آمنت ان الثورة الثقافية كانت ضرورية لمنع الرجعية والرأسمالية من السيطرة على الصين، كنت اعرف انني تعرضت للظلم لكن الاخطاء قد تحصل في اي نظام سياسي، ولو ان البلد تحول الى الافضل بفعل المنظومة التي حاكمتني لكنت في صفها، لكن بعد موت الزعيم ماو عرفت أنني خُدعت".
وهكذا لم يفق الصينيون من غفلتهم الا بعد موت الزعيم ماو عام 1976 حين عرفوا ان الثورة الثقافية برمتها كانت جزءا من صراع على السلطة في الصفوف العليا للحزب الشيوعي.
وترى جي لي يانج ان القائد ماو استغل اخلاص الصينيين وثقتهم به للتلاعب بالبلد باسره.
لقد مرت ثلاثون عاما منذ ان كانت تلك الفتاة الصغيرة بالوشاح الاحمر، والتي اعتقدت انها ستحقق النجاح دائما، ثم تقدمت في العمر وانتقلت الى الولايات المتحدة، لكن مهما فعلت، وحيثما ذهبت، تظل ذكريات طفولتها تثب دائما الى مخيلتها، كذلك جاء هذا (الكتاب الرواية السيرة).
الرواية أشبه بشهادة يريدها القارئ الغربي "كتبت اصلا باللغة الانكليزية" ولا يمكن وفق التقويم المفرط بالتفاؤل ان تضع ادواتها على طاولة النقد الادبي لاختلاط الواقعي والتاريخي باستثناء تغيرات بسيطة في الاسماء اقرت بها الكاتبة في نهاية الكتاب للحفاظ على خصوصية الاشخاص.
فهل جي لي يانج روائية بامتياز؟ لا يمكن الاجابة على هذا السؤال من دون الاطلاع على كتاباتها الاخرى بعد صدور روايتها الاولى "فتاة الوشاح الاحمر" عام 1997.
لم تصدر يانج بعد هذه الرواية سوى ثلاث كتب في ادب الاطفال، حيث تمارس عملها في سياتيل وتزور المدارس للتحدث للتلاميذ عن تجربتا الشخصية وطفولتها.

ماذا عن "بجعات برية"؟

لن يفوت القارئ المتابع للشأن الصيني، وخصوصا في جانبه الأدبي، من أن يجد مساحة العرض المشتركة بين كتاب "فتاة الوشاح الأحمر" وكتاب "بجعات برية" للكاتبة الصينية يونغ تشانغ الذي صدر عام 1991. فتشانغ، مثل يانج، تستعرض رحلة معاناتها الشخصية مع الثورة الثقافية. لكن كتاب "بجعات برية" يغوص عميقا في تاريخ الصين الحديث قبل الوصول إلى مرحلة العبث الثوري الماوي ليقدم قصصا لثلاثة أجيال من النساء: الجدة، والأم، والابنة. الجدة ولدت وعاشت في عصر الإقطاع والاحتلال الياباني، والأم عاصرت الحرب العالمية الثانية وفترة المد الثوري الشيوعي في عزه، والابنة راهنت على الخلاص الشيوعي على يد الزعيم ماو. الجدة بدأت حياتها خليلة لأمير حرب "اشتراها" من أبيها ولم يعترف بما في بطنها إلا وهو على فراش الموت. والأم كانت "خليلة" من نوع ثانٍ لأنها آمنت بالحزب الشيوعي الذي استرقّها باسم الايدولوجيا. والابنة كانت "خليلة" أفكار وشطحات الزعيم ماو الذي حول البلاد إلى حقل تجارب كبير وانتهت في حقول الثورة الثقافية التي شردت الملايين من أبناء الطبقة "الثورية" الوسطى في مزارع الأرز وفي مهمات تكسير وتدمير الإرث الجمعي الصيني. ولم تنج الابنة إلا بعد مغادرتها الصين واستقرارها في الغرب. إنها صورة سوداوية أخرى رسمتها تشانغ للوحة الشيوعية الحمراء التي أراد ماو أن تكون عليها "صينه" الخاصة.
منْ يقرأ الكتابين لا بد أن يتساءل: هل حدث كل هذا لكل تلك الملايين من الناس ولعقود طويلة لكي تنتهي الصين إلى ما هي عليه الآن من نهم مفرط للرأسمالية والاحتياطي من الدولار وشراء سندات الخزينة الأميركية؟
قيمة هذا الكتاب الذي وفره مشروع (كلمة) في هيئة ابوظبي للثقافة والترات، يمنح القارئ العربي فرصة تصور الاحداث المريعة التي عاشتها الصين آنذاك، وكيف كانت بعض البلدان العربية تتفاخر في استنساخ هذه التجربة.
والطباعة الانيقة لكتاب "فتاة الوشاح الاحمر" تجسدت كذلك عبر لمسات تصميمة معبرة للغلاف تنم عن براعة فنان بامتياز.