التكرلي يحفل بالمسرات ولا يأبه بالاوجاع
من يقرأ "اللاسؤال واللاجواب" وسبق له أن قرأ "المسرات والاوجاع" ـ اذا اسثنينا عن قصد "بصقة في وجه الحياة" "الوجه الاخر" "الرجع البعيد" "خاتم الرمل" ـ سيصل الى قدر كاف في معرفة فؤاد التكرلي!
قدر يمنحه من الحس مايجعله يقتنع تماماً بوصف الناقد صبري حافظ ان التكرلي "قد كتب رواية العصر الكبرى في المسرات والاوجاع" أما أنا الذي عشت نصف عمره فاسأزعم بمعرفته اكثر من ذلك! اشعر بيومياته الحقيقية بنبض ضغط دمه، ماذا يقرأ ولماذا لايكتب بشكل متواصل، كان ذلك منذ السنوات القلائل التي عشتها قريباً منه في تونس.
منتصف الثمانينيات عندما كان يجالس صحبه في مقهى حسن عجمي كان بالنسبة لي هو القاضي المهاب الصامت بثقة، وحتى عندما سألته بخجل حول عامل مقهى حسن عجمي في "الوجه الاخر" الذي لايمت بصلة للعامل الحقيقي "ابو داود" قال مبتسماً لقد استبدلته بعامل اخر استقدمته من مقهى اخرى في بغداد.
وحتى في المرات القليلة التي كنت اصادفه في الكرادة بسيارته التويوتا البيضاء وهو يتسوق، كان الحرج يمنعني من الاقتراب من القاضي الذي تفصله مسافات عن الروائي، وعندما نستذكر بطل رواية "المسرات والاوجاع" في الخاتمة وقد نزل عليه مبلغاً هائلاً من المال وهو يتجول في الكرادة ويقتني قطعة حلوى نشعر ان المكان في ذاكرة التكرلي قائم ومخلص لعراقيته، ولاتعني السنوات التي ابتعد فيها عن عراقه شيئاً، وإلا كيف نفسر تلك البراعة الحسية في صياغة الألم العراقي في "اللاسؤال واللاجواب" أبان طوق الحصار الاعمى الذي كان مفروضاً على العراق في عقد التسعينيات، وكيف الجوع بدأ ينخر في العظم العراقي، ولم يزر التكرلي بلاده في تلك السنوات الا مرة او اثنتين كما اعتقد.
فالخبرة في الممارسة الأدبية عنده كما يقول، هي صنو الخبرة في الحياة المعيشية؟
كذلك يتساءل التكرلي قبل أن يبلغ الثمانين بسنوات قليلة "هل الكتّاب الذين بلغوا شأوا عالياً في سلم الأدب، هم أنفسهم، أهل المعرفة والعلم في شؤون الدنيا؟
وهل الحكماء في العالم، خلال تاريخنا البشري كله، يملكون، بالضرورة، خبرة وقابلية على الممارسة الأدبية الفنية؟
تمرُّ بذهني هذه الأسئلة بين الحين والآخر ومنذ زمن بعيد، فقد صاحبتني بعد فترة قصيرة من مروري، أثناء المراهقة، بتجربة القراءة الروائية التي خلّفتْ عندي ما أستطيع تسميته نزوعا نفسياً وذوقياً إلى كتابة هذا النوع من الأدب.
وحين بدأتُ بتسويد تلك الصفحات التي لا تنتهي بما ندعوه ـتجاوزاً ـ محاولات أدبية في القص، لم أكن أملك، في الواقع، أية خبرة ذات قيمة في الحياة ليس هذا فحسب، بل كنت أشعر، بغفلة عجيبة، أني لستُ بحاجة لهذه الخبرة لكي استمر في سلوك هذا الطريق الملتوي".
"إلا أني، حين كتبت (العيون الخضر)، حاولت أن أضّيق قدر ما أستطيع من المشاهد الحياتية التي تقتضي معرفة خاصة لا أملكها. كانت الرهبة والاحترام العظيمان للفن القصصي ولما يمثله الأدب بشكل عام، قد أخذا بالتسلل إلى أعماقي واتخذا لهما موقعا راسخا هناك.
وفي الحقيقة، لم يكن ذلك غريبا عليَّ، فقد كنتُ منذ الصّغر، ألاحظ في الأشخاص الراشدين الكبار في السن ممن يملكون كما خمنت، خبرة في الحياة، مظاهر هموم تنطبع على وجوههم لأسباب لا أعرفها.
كانت الحياة عندي آنذاك صفحة مستوية بيضاء بلا مشاكل ولا عقد فما بال هؤلاء الكبار يشغلون أنفسهم بافتراضات محزنة وأفكار لا تسرّ أحدا؟".
هذا الكلام للتكرلي يجعلنا نتأمل كل الاسئلة التي أطلقها الكتاب الذين لم يسعدوا في حياتهم، بينما يظن هنري ميشو ان الكتابة هي شكل متحضر من أشكال الخيانة، فالشاعر أو الكاتب عموماً لا يخون إلا نفسه، هناك ما هو أهم من الكتابة: الحلم "الكتابة تصرفك عن الحلم" كذلك يقول ميشو، ربما كانت الكتابة بديلي عن الحلم ومع ذلك لا أعرف لماذا استمر في هذا الامر، ربما لأنني غير جدير بكل هذه الاحلام التي تغتصبني في اليقظة قبل الليل، الكتابة نوع من التخلي عن الحلم لصالح الآخر، متذوقاً لذة الوهم الذي يعطيك القدرة على أن تكون ما تريد أو من تريد، فتكون، الكتابة هي بنك الاحلام حسب ارنستوساباتو، وكما يقول انجيلو ريتالدي أحتفظ بربطة عنقي احتراماً لقواعد اللغة، ولكي يكتب ماركيز يرتدي بدلة العمل تماماً مثل الميكانيكي.
مع انه سبق لرولاند بارت أن أطلق على الأدب تسمية فن الخيبة، الفن الذي يمتنع ويخيب الآمال، واذ نتمسك باصرار مرتبك باللازمة البارتية.. كي نكون دائماً الضحية.
وفي يوم ما قدم جاك دوكلو لاراغون رزمة من رسائل وقال له "تفضل اصنع من هذا صرحاً".
ان الحياة سوف تكون سهلة وبسيطة.. ولكنها لم تكن كذلك، فهل كان اوسكار وايلد دائماً على حق حينما قال "السيرة الذاتية تضيف خوفاً آخر الى الموت؟".
هوميروس ومن بعده كافكا كانا يقولان: البشر كقصاصات ورق تذروها الرياح الباردة.
أما التكرلي فقد أخذه نزوعاً نحو السعادة وهو يطفئ شمعتة الثمانين في الثاني والعشرين من اب-اغسطس الماضي في منزله الصغير على أحد جبال العاصمة الاردنية عمان.
قال لي "ان سعادة الثمانين تكمن في كونه يعيش مع اسرة رائعة تعتني به وتوفر له الحماية والاطمئنان من اوجاع المرض وقلق الحياة، فالسيدة زوجته رشيدة التركي امرأة من طراز واثق وقادرة على تأمل مصاعب الحياة بعين متفائلة، وابنه عبد الرحمن (16 عاماً) يشق طريقه بذكاء المتعلم وبحضارة لغتين اضافة الى لغته العربية مستعيناً بكفاءة والدية في الفرنسية والانكليزية".
التكرلي يستذكر حزنه على ابيه الذي فقده صغيراً لهذا استعاد اسمه "عبد الرحمن" في أطلاقه على ابنه.
سعادة القاضي الروائي القاص المسرحي الثمانيني لم تبدد عني احزان "المسرات والاوجاع" منذ ان قرأتها بعد اسابيع من اصدارها نهاية التسعينيات في مغترب كان يمنحنا مايعادل الخيبة التي كنا نعيشها آنذاك، ساعات طويلة من القراءة الحرة بلا رقيب، كانت بالنسبة لي أوجاع وأوجاع وليس ثمة مسرات فيها ومن يتذكر لوعة البطلة على استشهاد حبيبها في جبهات القتال وتساؤلها هي الحامل بطفل منه، لا يجد مسوغاً واحداً على أن ثمة مسرات في هذه الرواية، وكنت أول من حاوره على صفحات "الزمان" آنذاك عن تلك الاوجاع الخالية من طعم المسرات، لكنه اصر على أن ثمة مسرات في هذه الرواية.
![]() |
||
| غلاف رواية المسرات والاوجاع | ||
وهاهو التكرلي الثمانيني السعيد بعمر لم يمر شاحباً كما "زعم لي" في الخبر الذي نشرناه في عيد ميلاده الثمانين يغسلني بوجع مر لم ولن يغادر ذاكرة العراقيين بعد في "اللاسؤال واللاجواب" التي ننشر فصلاً منها على الصفحة اللاحقة، عن سنوات طوق الحصار الاعمى الذي كان مضروباً على العراق.
كيف تسنى له ان يتحسس وجع زكية وزوجها عبد الستار المدرس سائق الاجرة الليلي لمواجهة العوز والجوع والخواء وهو الذي كان يسمع الاخبار وحدها في مغتربه التونسي آنذاك؟ "أنه يشبه تغييراً وقتياً في مستويات الحياة المعيشية، نحيا تارة، بذاكرة ثم نحيا، تارة أخرى، بدون ذاكرة. نحيا في زمن يسلسل الامور منطقياً، ثم نحيا والزمن غائب، وقد غابت معه سلسلة الاسباب والمسببات" أو كما يكتب في الرواية نفسها "فإذا ماعلمنا بأن سعادة البشر تاتي وتروح مثل فراشة تحملها نسمة ربيعية عابرة، فإن التعاسة تقبل تدريجياً باقدام ثقيلة ثابته وراسخة".
عندما قراتها في ساعات الذهاب والمجئ لعملي في الصحيفة بقطار لندن وبضع أوقات اخرى في حانة المسرح الانكليزي، تذكرت ان الألم كان يعصر قلبه على شعب يسحق تحت وابل التجويع ويلقي به المرض صريعاً، كان انذاك يتراسل مع صديقه عبد الملك نوري الذي يروي له الموت القادم والعوز وسنوات الحر اللاهب بلا نسمة هواء....
كذلك بمقدور الموهوبين بالابداع انجاز مالايمكن لغيرهم انجازه والتكرلي الذي استطاع أن يؤرخ بامتياز حسي لذاكرة العراق المعاصر في "المسرات والاوجاع" وقبلها "الرجع البعيد" كان عليه ان يدلي بشهادة على سنوات طوق الحصار الاعمى في التسعينيات، كذلك ولدت رواية "اللاسؤال واللاجواب" ملتاعة بالألم الموجع على زمن أكثر وجعاً.
ربما من اجل ذلك كتب مرة "إذا افترضنا أن إنجاز أعمال روائية عالية يحتاج أضافة لذهن نشيط ومتسع، إلى منحة سماوية غامضة أخرى، استطعنا أن نفهم لماذا كان اليونانيون القدماء يعتبرون الحكماء فيهم (اسخيلوس) و(سوفوكليس) و (يوربيدس)، وليس (سقراط) و (افلاطون) و(ارسطو)، دون أن يكون في ذلك استنقاص من مكانتهم كفلاسفة عظام يبحثون في شؤون الخلق والكون.
أكان ذلك الشعب السعيد، المولع بحب الدنيا الأولى، يحدس بأن العقل وحده لا يكفي للوصول إلى الحكمة المطلقة والى كنه الحياة البشرية، بل يتوجب أن تساعد هذا العقل هبة ربانية وخبرة عميقة بأحوال البشر".
فاللغة عائلة التكرلي او كما يقول الروائي الفرنسي فرانسو نوريسيه "ان صياد السمك يقول لك مثل هذا الكلام عن البحر، انه يموت في البحر، لكن البر هو الحياة، الكاتب يموت في اللغة لكن اللغة هي الكاتب".
اما النوبلي خوسيه ساراماغو فيعتقد ان الكلمات في الحقيقة لا تفيد ولن تؤدي الى معنى، "انها ليست المعنى، انها تساعد في البحث عن المعنى أو معنى وربما كلها معاً منتظمة، موضوعة في تسلسل منطقي، ليس لغوياً، تستطيع أن تعطينا معنى، لكني في الحقيقة لا أعرفه. ما هي الكلمات؟ أحياناً تقول ان الصوت أكثر غنى، أكثر كثافة، أكثر مادية من الكلمات، مع أن هذه المرات الكثيرة لا تفيد سوى في اخفاء اصطناع (اسطرة) الشيء قليل الغرابة".
وعائلة التكرلي التي تحتفي بعيد ميلاده اليوم وتحديداً الانسانة المخلصة لقيمها رشيدة التركي تكاد تجعله بمصاف المبدعين وبامتياز نادر، بالنسبة لاراغون: الزا منحته العالم، واليوت عندما يحس بامرأة هناك.. يرى وردة في السماء.
