مقهى... ونقيس الزمن بملاعق القهوة

من يسمعنا غير القهوة؟

تحمل السيدة السعودية أو الإماراتية المعاصرة دورق القهوة بمواصفات لا تمت بصلة إلى تاريخ "خمر الصالحين" وهي تسقي أهلها أو حتى ضيوفها بالمنزل، تقاليد القهوة أضحت أكثر معاصرة، بينما اقتربت "الدلة" النحاسية من طريق المتحف، القهوة اليوم تقدم بفناجين مذهبة ودوارق حافظة للحرارة، وحتى طعمها أضحى لاذعا بالزنجبيل والزعفران ولم يكتف بـ"الهال" وحده!

مقهى في دبي أدرج حليب النوق على قائمة مشروباته، ومن بينها القهوة لإضفاء لمسة حديثة على تقليد بدوي قديم.

ويقدم المقهى الآن مشروبات "لاتيه" و"كابتشينو" ممزوجة بحليب النوق.

أهذا زمن القهوة! إنها لم تفقد تقاليدها في المضايف وطريقة تقديمها منذ أن اكتشفها ذاك الإعرابي في اليمن، وان جاء اسمها من الحبشة، وبقيت شجرة البن تسقى العالم صباحا وتتآلف مع أعصاب الناس، حتى إن الشاعر ت.أس اليوت بات يقيس الزمن بملاعق القهوة.

ويدرك إعرابي آخر ضاع مع رفاقه في الصحراء كيف ابتلى بإدمان القهوة، وفيما هم يترقبون أن يستدلون على الطريق، يتوق هو أن يشرب القهوة قبل أن يهلك في الصحراء، وعندما نهره رفاقه، لم يجد إلا أن يلوم نفسه بالقول "لعنة الله على الذي علمني شرب القهوة المرة التي تلذع اللهاة".

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 
   
  نجوم العالم يحتسون القهوة العربية في أبوظبي  
 

 

ساقي القهوة العربية يدرك تقاليدها، وربما تعلم "الافرنج" تقاليد شرب النبيذ من قهوتنا، فرنة فنجان القهوة معادلا حسيا وعاطفيا لرفع كؤوس النبيذ وتلاقيها عندهم.

على ساقي القهوة أن يُمسك الدّلة بيده اليسرى وفناجين القهوة باليمنى، التي بها يُقدم القهوة للضيوف. ومثل الساقي، يجب على الشارب أن يتناول الفنجان بيمناه.

قهوة العراق مرة منذ أن رثى ذاك السومري ابنته القتيلة، فبقيت هكذا وأضحت تقاليدها تركية بقهوة مركزة محلاة مرّة، ومرّة بلا سُكر، إلا إن مقاهيهم فضاء مفتوح للشاي لتبقى القهوة على هامشه، لن ينسى العراقيون "المقهى البرازيلية" في شارع الرشيد ورائحة البن المنتشرة منها حتى الزقاق المجاور، وهاهم يمرون من أمامها اليوم بعد أن تحول المكان إلى متاجر ميتة، وأخمد شارع الرشيد على تاريخه وسقطت البلاد برمتها في لجة "الديني" وصار الذهاب إلى "العزاء" معادلا يوميا لما كان شائعا في الذهاب للمقهى.

قبل أن تمر على دمشق تذكر القهوة التركية، وإياك ان تسميها كذلك في اليونان!! في دمشق "الترويقة" قهوة، لكن أي قهوة بالأمس أو اليوم!

وبيروت شوارع من المقاهي وطعمها مثل رائحتها، وعليك أن تختار من يسقيك قهوة ناصحة لا مغشوشة في مصر، ولا تتذكر أغنية أسمهان عندما تحول "القاف" إلى ياء أو همزة، ومنذ ذاك اليوم فقد القهوة طعمها بلهجة المصريين!

تونس فضاء للمقاهي، كي نبرر بحثنا عن الشغل، نحن عاطلون عن العمل فنجلس في المقهى ساعات وساعات نلوك الكلام والتذمر، وقهوتنا اليوم "كحلة" وغدا مثلها، فهنا تسمى المقهى بالقهوة، واذا بحثت لها عن أسم معاصر صارت "قاعة شاي".

المغاربة قهوتهم بالحلوى لكنها تبقى في صراع مع الشاي الأخضر، وطغت عليها المعاصرة.

وفي ليبيا ماتت المقاهي منذ أن سوغ الزعيم القتيل فلسفته الفارغة لاخلائها، فيمر الليبيون بحسرة على مقاهيهم الآفلة ويتوقون إلى زمنها في الستينات، لقد ترهل كل شي هناك، فمن يعيد الليبيون إلى زمنهم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 
   
  قهوة مرة تلذع اللهاة  
 

على الضفة الأخرى من يدرك كم فنجان قهوة يشرب يوميا في لندن وحدها؟

 

ياللهول، أنه زمن القهوة السريعة والمضغوطة وبرشفة واحدة أو مع الحليب، هناك 150 مليون كوب قهوة يستهلك في لندن وحدها كل يوم، هل نتخيل الرقم في نيويورك مثلا!

قهوة المساء في لندن مثل نبيذها، انه يشربون القهوة الايرلندية الممزوجة بالكحول المُركز، من دون أن يخبرنا التاريخ إن كان جيمس جويس قد كتب يولسيس وهو يحتسى قهوة بلادة بماركتها التي تعادل ماركة "الجعة السوداء" ثروة البلاد الوطنية.

لكن ما علاقة الباحثين والأطباء بالقهوة، روائية مثل عالية ممدوح تترحم على مكتشف القهوة وهي ترشف كوبها كل صباح قبل أن تلج الكتابة، بينما بعض الباحثين يرون إن شرب 3 أكواب قهوة يومياً، يزيد خطر الإصابة بالمياه الزرقاء التي قد تؤدي إلى فقدان البصر أو العمى، فيما ترى دراسة علمية حديثة أن تناول القهوة المحتوية على الكافيين بشكل معتدل لا يتجاوز 3 أكواب فى اليوم، يحسن من قوة العضلات ويحد بشكل ملحوظ من سرطان الفم.

بعض الدراسات سقط في فخ "التجاري" وهي تراقب تأثيرات القهوة، فتناقضت فيما بينها، بينما بقي هذا الشراب الأسود يحتفي بسحره، وصرنا نرفع فناجيننا الصغيرة امتنانا للساقي، مثلما يرفع العشاق كؤوس النبيذ في أمسية حب بعيد العشاق.