مظاهرات أوف لاين!

ما أن سُنت القوانين والتشريعات بعد كتابة الدستور عام 2005، لتبعد العراق عن دائرة الظلم المُقبع ككابوس يضيق أنفاس العراقيين طوال سنوات خلت من حكم الطغاة، وتفتح آفاقا من الفضاء الرحب من الحرية والديمقراطية وما كانوا يحلمون به وينتظرونه على أحر من الجمر، ليبدأ حكماً ديمقراطياً، وإنهاء حقبة عتيدة من الدكتاتورية المقيتة والحكم الشمولي، مستبشرين بحياة وردية تحقق لهم ما كانوا يصبون اليه، كحق دستوري مكفول من حقوقهم المسلوبة على يد جلاوزة النظام البائد، فتعالت صيحات الرجال بالأهازيج فرحاً، وهلهلت النسوة ونُثرت الورود ووُزعت الحلوى لسقوط الصنم، والتهيؤ لإستقبال يوم جديد من أيام حلمهم الممنوع، ليستبشروا بمستقبل أفضل لأجيالهم بعد ضياع سنوات من عمرهم في حياة هامشية لا ترتق الى مستوى العيش الرغيد.

لكن سرعان ما أصيب العراقيون بخيبة أمل كبيرة لم تكن بالحسبان، نتيجة تسلق بعض النفعيين على أكتاف الناخبين بإنتخابات مزيفة، ليجعلوا من مناصبهم غاية ويعيثوا في الارض فساداً، وينهبوا ما يحلوا لهم دون وازع يردعهم.

حتى إستشعر الشعب العراقي بالوضع المتردي من إنعدام للخدمات، وإستشراء الفساد في جميع مفاصل الدولة، وتردي الوضع الأمني وتزايد نشاط العصابات والمافيات وتضاعف ظاهرة الإختطاف وسرقة الدور والمحلات التجارية، حتى تيقنوا بأن المتسلطين على رقابهم ليسوا سوى ثُلة من اللصوص يصولون ويجولون بالمال العام ليبذروه تبذيراً على ملذاتهم.

نتيجة لهذا الواقع الفاسد بدأت التظاهرات المليونية تجوب شوارع العاصمة بغداد مناهضة للشلة الفاسدة مطالبين بالتغيير وإسقاط الحكومة (شلع قلع)، فلا مجيب لما يحدث في الشارع العراقي، وكأن الموضوع لا يهمهم، لأنهم يعيشون في وادي والشعب في وادي آخر، وتتجدد التظاهرات اليومية في غالبية مدن وقصبات العراق في الوسط والجنوب، يطالبون بأبسط الخدمات المشروعة، لكن لا حياة لمن تنادي، مستخفين بمشاعر شعبهم وجمهورهم الذي إنتخبهم، وكأنها مظاهرات تحت العباءة، غاضين عنها البصر، دون أن تأخذ مدياتها على من يتقلدون المناصب الادارية في العراق.

لكن ما أن إندلعت التظاهرات في إقليم كردستان العراق وبدعم من أجندات معروفة النوايا، حتى انبرى لها حكام بغداد ساعين بتسييسها من خلال من سولت لهم أنفسهم للنيل من الكرد وكردستان، وبدأ الإعلام الأصفر يروج لإثارة الفتنة عن طريق الفضائيات المأجورة سلفاً، من أجل تهجين الشارع الكردي والإنقلاب على حكومته، وشق وحدة الصف الكردي، وتوظيفها لغايات مدفوعة الثمن مسبقاً.

فقد إنتبهت حكومة إقليم كردستان العراق للأحداث وما يدور في الشارع الكردستاني، وسارعت إنطلاقاً من المسؤولية العالية والأمانة الإدارية التي تتحلى بها برئاسة رئيس الوزراء السيد نيجيرفان البارزاني للإستجابة لمطالب المتظاهرين وإتخاذ القرارات اللازمة بخطة آنية تخدم مصالحهم، ويعاهد الموظفين بقرب إنتهاء موضوع الرواتب بعد تحسن الوضع الإقتصادي للإقليم، ليحافظوا على اللحمة الوطنية والأمن القومي لكردستان، بتخفيض نسبة الإستقاطاعات من الرواتب المدخرة.

على النقيض من الذين يتمسكون بالكراسي ويتبارون من أجله خدمة لمصالحهم الشخصية الضيقة، ولا يعيرون لمطالب المتظاهرين وكأن العراقيون يتظاهرون بطريقة الأوف لاين بعيداً عن أنظار وإهتمام الحكومة العراقية.

فشتان بين الثرى والثريا.