الفاسدون وقد جُن جنونهم
الهبة التي شهدها مجلس النواب العراقي ضد نتائج الانتخابات الأخيرة هي اشبه بصحوة ما قبل الموت.
فالنواب الغاضبون هم الذين أخرجتهم تلك النتائج من مبنى المجلس حين فشلوا في الحصول على ثقة الناخبين.
وإذا ما كان ذلك الحراك التآمري تجسيدا لرغبة دفينة في الانتقام من قبل حفنة من الفاشلين فإنه يؤكد أن مجلس النواب بتركيبته الحزبية كان سببا مباشرا لتعطيل الحياة السياسية واعاقة عمل مؤسسات الدولة من خلال ما كان يجري تحت قبته من صفقات، تُباع بموجبها المناصب الحكومية مقابل مبالغ خيالية، يقوم المستفيدون من تلك المناصب بتسديدها من أموال الدولة.
وبذلك يكشف النواب المحتجون على التغيير عن أن مجلسهم الموقر كان واحدة من حلقات قليلة يتم فيها طبخ الوجبات التي سممت حياة العراقيين بالفساد وأفقدتهم الجزء الأعظم من كرامة شعورهم بالمساواة في ظل عدالة مفقودة، هدم غيابها سور المساءلة القانونية الذي تحتمي وراءه حقوق المواطنة.
لقد شكك النواب لمهزومون بنتائج الانتخابات لأنها حرمتهم من الاستمرار في ما اعتادوا عليه من عمليات فساد، كان القيام بها هو العمل الوحيد الذي يربطهم بالعملية السياسية. فهم مقاولو مناصب ومبرمو عقود ومالكو اقطاعيات مغتصبة ومهربو عملة وجامعو ملفات كيدية ليس إلا.
مجلس النواب الذي يمثل السلطة التشريعية لم يشرع قانونا واحدا من شأنه أن يحمي حقوق المواطن ويصون كرامته ويدافع عن حريته الشخصية وبمنع مسؤولي الحكومة من استغلال مناصبهم الوظيفية في نهب المال العام ويعرضهم للمساءلة القانونية إن هم اساءوا التصرف.
لم يتحرك نواب الشعب عبر اثنتي عشرة سنة احتجاجا على الانتهاكات المأساوية التي مارستها الميليشيات الطائفية المسلحة في حق مواطنين عراقيين عزل. لم تهمهم هيبة الدولة التي هم جزء منها ولا مصير الشعب الذي أوصلتهم أصواته إلى مبنى مجلس النواب.
لقد تحولت عضوية ذلك المجلس إلى فرصة للسرقة، بحيث سن النواب عبر ثلاثة دورات قوانين تهبهم ما لا يمكن تخيله من الامتيازات غير المسبوقة في تاريخ الديمقراطية الغربية.
وإذا ما عرفنا أن الأحزاب المسيطرة على الحياة السياسية في العراق كانت تختار ممثليها في مجلس النواب على أساس القرابة والولاء الأعمى والطاعة الخرساء والدهاء في ابرام الصفقات والاستعداد المسبق للفساد فلن يفاجئنا مشهد حشود الاميين وقطاع الطرق والافاقين والمنافقين والانتهازيين والوصوليين والمرائين وناكثي الوعود وخائني القسم وهم يسرحون ويمرحون في جنبات القصر الذي بني في ثمانينات القرن الماضي ليستقبل المؤتمرات الرئاسية فإذا به يتحول إلى وكر للصوص.
لقد شُرعت في الدورات البرلمانية الثلاث السابقة قوانين، يندى لها جبين الإنسانية لما انطوت عليه من تخلف ورثاثة وانحطاط وفقر وعي وغياب لأي وازع أخلاقي. من ذلك تلك القوانين التي حطت من شأن المرأة العراقية وأفقدتها الكثير من الحقوق المدنية التي كانت تنص عليها قوانين الأحوال الشخصية التي سنت قبل حوالي ستين سنة.
هؤلاء النواب المتخلفون الذين اُحضروا من سوق العمالة الرخيصة صار في إمكانهم اليوم أن يرفعوا أصواتهم من أجل شجب ما تخلل الانتخابات الأخيرة من عمليات تزوير متناسين أنهم لولا وجود تلك العمليات لما وطئت أقدامهم أرض المنطقة الخضراء التي خص بها المحتل الأميركي أتباعه.
لم يكن عسيرا على الشعب العراقي أن يكتشف أن ارادته قد تم تزويرها من خلال عمليات خداع وتضليل كان المشروع الإسلامي غطاءها فيما كان الفساد جوهرها. ولطالما لام العراقيون أنفسهم لأنهم منحوا الفاسدين أصواتهم ووصلوا بهم إلى ما هم فيه من هناءة عيش، لم يكونوا يحلمون بها من غير أن يلتفتوا إلى المطالب الشعبية المتواضعة في خدمات البنية الأساسية وسوق العمل والتعليم والقطاع الصحي.
لقد شكل مجلس النواب بؤرة للتآمر على أحلام وطموحات الشعب العراقي في التغيير والانتقال إلى مرحلة لا تكون فيها مؤسسات الحكم عبئا على الشعب. فما من حدث وقع تحت قبة "البرلمان" إلا وكان مصدرا لعذاب جديد يُضاف إلى عذابات الشعب العراقي.
حين يجُن جنون الفاسدين فإن ذلك يعني أن العراقيين قد استعادوا شيئا من توازنهم العقلي والأخلاقي وهو ما يؤهلهم لاختيار أفراد الطاقم الحكومي على أساس الشرف والنزاهة والوطنية وسواها من متطلبات حسن السيرة.