"الجسرة الثقافية" تبعث لقرائها رسائل على أجنحة الطير
الدوحة ـ مع قدوم شهر أكتوبر/تشرين الأول صدر عدد خريف 2018 من فصلية "الجسرة الثقافية" التي تعتبر الإصدار الأم لنادي الجسرة العريق، وقد استهل الكاتب إبراهيم الجيدة، رئيس مجلس إدارتها افتتاحية هذا العدد الذي يحمل رقم 49 بهذه الترجمة العربية لرسالة صدرت من جوستاف فلوبير إلى جورج صاند، تعكس أهمية الإبداع لصاحبه ومردوده عليه.
تقول الرسالة: "عندما يريد المرء أن يكسب مالًا من ريشته، فما عليه إلاّ أن يمارس الصحافة، وكتابة المسلسل أو المسرح. ورواية "مدام بوفاري" فاءت عليّ بثلاثمائة فرنك تسلمتها ولن أكسب منها في المستقبل سنتيمًا واحدًا البتّة. أستطيع الآن أن أدفع ثمن ورقي، أمّا شراء الأغراض، وتوفير ثمن الأسفار والكتب التي يقتضيها عملي فلست قادرًا على تأمينها.
بيد أنّني أجد في قرارة نفسي أنّ هذا أمر حسن (ولعلني أخادع نفسي إذ أعتبره أمرًا حسنًا)، لأننّي لا أرى أيّ رابط بين قطعة ذات خمسة فرنكات، وفكرة مّا.
ينبغي أن نحبّ الفنّ من أجل الفنّ نفسه، وإلاّ فإنّ أيّ مهنة أخرى هي أفضل من الكتابة."
من حق "الجسرة" أن تباهي بأنها أول مجلة ثقافية عربية كانت على متن أول طائرة فرنسية تهبط في جنوب إيطاليا حيث مدينة "ماتيرا" العاصمة الثقافية لأوروبا
ربما تعكس هذه الرسالة نظرة الجيدة ذاته لقيمة الفن، فقد علَّق عليها قائلًا: "أعتبر هذه الرسالة ذات المستوى الرفيع من الصياغة والفكر، والترجمة أيضًا، هي ومثيلاتها من الرسائل المتداولة بين أساطين الفن والإبداع والسياسة في العالم، الهدية التي تقدمها "الجسرة الثقافية" إلى قرائها عبر محور هذا العدد الذي يحمل عنوانًا رومانسيًا هو "رسائل على أجنحة الطير"، تلك الرسائل التي باتت من الوثائق الإبداعية والاجتماعية لأنها أوشكت على الانقراض بعد هيمنة نمط الحياة الرقمية على واقع كل منا، وأصبح من النادر أن تضبط في أدراجنا أو محافظنا رسالة غرام على أوراق ملونة معطرة بماء الورد، وبعد أن أوشك التوقيع الإلكتروني يقضي على توقيعاتنا الشخصية الممهورة بخط اليد.
في هذا العدد استعادة للأشرطة السينمائية التي احتفت بـ "الجواب"، أو الرسالة، واستعراض لكثير من الرسائل المتبادلة بين نجوم تعلقنا بهم من المبدعين العرب والأجانب، وتحليل لهذه الرسائل وما ارتبط بها من ظواهر، مع ترك مساحة كبيرة يسبح فيها خيال قرائنا فيما وراء هذه الرسائل، ويطرح على نفسه هذا السؤال: هل تحمل تلك الرسائل تناقضًا مع مواقف بعض هؤلاء المبدعين؟
وفي تقديمه لمحور هذا العدد ذكر مصطفى عبدالله، المشرف العام على التحرير، أن تاريخ "الرسائل" المتبادلة بين البشر قديم جدًّا، ووسائط التراسل تختلف باختلاف العصور؛ إلا أن الأمر اختلف اختلافًا جذريًّا مع ظهور البريد في أوروبا، ولا سيما في إنجلترا وفرنسا، حيث انتشرت المراسلات بين فئات المجتمع المختلفة، وكان المثقفون الأكثر استفادة من هذه الطفرة في استخدام البريد، فبدأ الأدباء والمبدعون في تبادل الرسائل، وظهرت الصحف وكان "بريد القراء" الوارد إليها زادًا يوميًا تتواصل من خلاله الجريدة أو المجلة مع قرائها، وأخذ بعض الكتّاب یتواصلون مع بعضهم في تلك الصحف عن طريق الرسائل.
وقد شهدت الثقافة العربية - ولا سيما في القرن العشرين - حضورًا لافتًا للرسائل المتبادلة بين الأدباء، لعل أشهرها المتبادلة بين جبران ومي زيادة.
وانطلاقًا من أهمية الرسائل في الحياة الثقافية العربية، وتأثيرها الذي امتدّ إلى عدد من الفنون، واتخاذها أشكالًا حديثة في التواصل مع التطور التكنولوجي المتلاحق؛ يرصد ملف هذا العدد بعض مناحي هذا التأثير للرسائل.
ففي مقاله "بلاغة البوح المشترك" يُطوّف بنا الكاتب المغربي رشيد بنحدو في العالم الفسيح والممتد للرسائل، حيث يلقي الضوء على جانب من فلسفة التراسل نفسها، وعلى التراسل البريدي مع مقارنته بالتراسل الإلكتروني الذي حاقت به بعض المثالب والعيوب من قبيل الكتابة بحروف من خارج الأبجدية العربية.
أما الكاتب راشد عيسى فقد قدّم قطوفًا من المراسلات التي تبادلها الشاعران الفلسطينيان: محمود درويش وسميح القاسم، لنلمح كيف تفيض هذه المراسلات عذوبة ومتعة أدبية.
في حين كانت رسائل نازك الملائكة وعيسى الناعوري أقرب إلى الحوار النقدي المنتمي إلى تاريخ الأدب، فقد دار نقاش بينهما عن منهج "نازك" في التجديد الشعري، وحول قضية الريادة أو الكاتب الأول للقصيدة الحرة، وذلك في المقال الذي أسهم به الكاتب العراقي حاتم الصكر.
وفيما يتعلق بجانب المراسلات المتبادلة بين الأدباء الغربيين، فقد أفاض الأديب والأكاديمي التونسي الدكتور محمد آيت ميهوب في الحديث عن مراسلات الأديب الفرنسيّ جوستاف فلوبير والروائيّة الفرنسيّة جورج صاند، وهي من المراسلات التي اكتسبت أهمية كبيرة وشهرة واسعة في القرن التاسع عشر.
كما رصد الملف انعكاس "الرسائل" على فني: السينما، والسرد الروائي؛ ففي مقاله المعنون "الرسالة في السينما المصرية" يرصد الكاتب الروائي ناصر عراق أهم الأفلام التي اشتملت أسماؤها على كلمة "رسالة"، وكذلك أهم الأفلام التي لعبت "الرسائل" دورًا في تحريك أحداثها، في حين يرصد الباحث محمد عبدالرحيم الخطيب في مقاله "التراسل الإلكتروني في التشكيل الروائي العربي" حضور وسائل التواصل الحديثة في الرواية العربية.
أما الروائي السوري نبيل سليمان فيطلعنا على بعض الرسائل الواردة إليه من عدد من المبدعين والمفكرين، ومنهم: عبدالرحمن منيف، ونصر حامد أبو زيد، وبوعلي ياسين، وجمال الغيطاني، وصنع الله إبراهيم، ومحمد عز الدين التازي.
ولم يخلُ الملف من مراسلات تنتمي إلى التراث العربي، إذ يعرض الباحث التونسي الجاد أصيل الشابي نماذج من مراسلات ابن خلدون وابن الخطيب التي تعد من عيون الأدب.
وعلى صفحات هذا الملف ننشر عددًا من الوثائق الأدبية التي خطّها مبدعون كبار مثل: الشاعر العراقي الكبير عبدالوهاب البياتي لأصدقائه من منافيه المختلفة في مدريد أو عمَّان.
ونعود للجيدة و"أول طلّة" التي يوضح فيها أننا نقرأ خارج هذا المحور مقالًا جادًا وطريفًا في الوقت ذاته عن رسائل من نوع آخر.. رسائل من مونديال روسيا 2018 يوجهها إلينا من بالتيمور الروائي الدكتور شريف مليكة، ورسائل أخرى تبعثها لنا من كندا الدكتورة رانيا علي، عن شتاء تورونتو وتجربتها المستجدة في التعامل مع ثلوج من ألف نوع!
ومن حق "الجسرة" أن تباهي بأنها أول مجلة ثقافية عربية كانت على متن أول طائرة فرنسية تهبط في جنوب إيطاليا حيث مدينة "ماتيرا" العاصمة الثقافية لأوروبا 2019 وذلك من خلال هذا السبق الصحفي الذي حققته لنا الكاتبة والأكاديمية الجزائرية الدكتورة أحلام معمري، وفي بروكسل كانت لنا وقفة مع الكاتب المغربي طه عدنان الذي نجح في استنطاق جمال عاصمة بلجيكا، وجعلها تبوح بأسرارها في باب "نصوص وأمكنة" الذي يتيح لنا التجول في فيينا، عاصمة النمسا، مع الكاتب العراقي محمد سيف المفتي الذي أدخلنا قصورها وحدائقها البديعة، كما أطلعنا على نمط الحضور العربي هناك.
وفي لندن تلتقي الكاتبة العراقية سعاد الجزائري مع مصممة الأزياء التراثية "نيران السامرائي" لتكتب لنا موضوعًا عن جهود "نيران" في الارتقاء بالذوق وبث جماليات الثقافة العربية التراثية في الغرب عبر الدفيليهات ونشر المخطوطات.
ومن إيطاليا يكتب الأديب عزت القمحاوي عن متحف السينما في تورينو.. برج الهذيان اللذيذ، ويكتب إبراهيم حمزة تحقيق هذا العدد وعنوانه "أبناء المنافى.. غربة الروح، وحضور الوطن"، أما الناقد حسين عيد فيتناول مصير اللقاء بالآخر كما صورته الرواية العربية.
حوار العدد أجرته في بيروت زينب عبدالباقي مع الشاعر اللبناني الكبير محمد علي شمس الدين، ويستعيد أحمد رجب شلتوت واحدة من صفحات أرشيف نادي الجسرة العريق عندما يكتب لنا عن الندوة التاريخية التي استضاف فيها النادي المفكر العربي الخالد الدكتور ثروت عكاشة.
وتطلع "الجسرة" قراءها على الحفاوة التي استقبلت بها جزيرة جِربة وغيرها من المدن التونسية ملف العدد الماضي: "تونس.. فسيفساء المدن والثقافات".
وعلى صفحتها الأخيرة يبوح أحمد فضل شبلول بأسرار تأليف روايته الأحدث "اللون العاشق" عن الرسام العالمي محمود سعيد.