العراق.. ثقافة الخراب علامة الإيمان!
بقلم: ناصر الحجاج
العراق بلاد خَرِبة، ومن السهل أن يقول العراقيون: إن سياسيي الصدفة الذين "جاؤوا على ظهر دبابة المحتل"، هم سبب خراب العراق، ومن السهل، كذلك، القول: إن إيران التي "لا تريد للعراق خيراً" هي السبب الأكبر في خراب العراق. ومن السهل، أيضاً، القول: إن "الوهابية السلفية" بقاعدتها وداعشها، هي سبب تدهور البلاد واستهداف العراقيين الشيعة لإثارة فتنة طائفية! وأسهل من كل ذلك أن يقول العراقيون، وبعضهم "مثقفون"، إن "الحركة الماسونية وحكومة العالم السريّة" ومعها إسرائيل والولايات المتحدة هي التي تحول دون نهضة العراق العظيمة! كل تلك التهم الجاهزة، وتلك المبررات السهلة، تُقال لأنها سهلة، ولأنها تُشعر الشعب العراقي بالراحة، وتبرئه من تهمة التخريب التي تسببها ثقافته الدينية الاجتماعية المرتبطة بثقافة الغيب والماورائيات التي تدفعه إلى التخطيط للوصول مشياً إلى قبر الإمام الحسين (ع) بدلاً من التخطيط للحصول على الكهرباء.
يتغافل العراقيون عن وصول أحزاب الإسلام السياسي وتياراته إلى حكم العراق بعد سقوط حكم صدام، ويتناسون ما رافق هذا الوصول من صعود تيارين اجتماعيين ثقافيين يبدوان متصارعين إلا إنهما يدفعان لنفس الاتجاه، فكأنهما كفّان تضطربان لتُصدرا تصفيقا واحداً هدفه تشجيع العراقيين، وبخاصة الشيعة، على التمسك بقيم عقائدية محدّدة. يحمل التيار الأول فكرة دعوة أن الشيعة المضطهدين يجب أن يمارسوا اليوم دورهم في الزيارات الحسينية، وما يلازمها من تعابير "البكاء والإبكاء والتباكي"، وهي دعوة تبدو منطقيّة في ظل الحرمان الذي عاناه الشيعة في فترة حكم البعث، إلا أن التيار المعاكس الذي كان متمثلا بالقاعدة والزرقاوي، ومن بعدُ، بداعش والبغدادي، كان يدعو الشيعة أيضا، كردة فعل انعكاسيّة على طريقة "إنّ اللوم إغراءُ..."، إلى التمسك بالمشّاية وباللطم والمواكب الحسينية وبناء مزيد من الحسينيات وفتح مزيد من الفضائيات التي تبث أنشطة اللطم والندب والزيارات، فالقتل بالمفخخات كان يستهدف الطبقات المسحوقة من الشيعة في أطراف بغداد في مدينة (الثورة ـ الصدر) وأخواتها، ويستهدف المجالس الحسينية والمآتم الشيعية في ديالى والموصل، بل ويعترض طريق الزوار في ما كان يعرف بمثلث الموت الواقع بين بغداد وكربلاء، فيزيد ذلك القتل تمسّك الشيعة بالزيارات بدلاً من دفعهم باتجاه بناء الدولة "الكريمة" ومؤسساتها.
أسهم ذلك التثقيف الدموي في مشاغلة المجتمع العراقي ذي الأغلبية الشيعية، ومنعه من التركيز على إعادة إحياء المؤسسة التعليمية التي قتلت ماديا ومعنويا خلال فترة الحصار، ومنعه من إعادة إعمار البنية التحتية في مجال الكهرباء وطرق المواصلات والاتصالات وبناء السلطات الثلاث ورابعتها الإعلام. كان الهمّ الأكبر لدى الشيعة (خارج الدولة) منصبّاً على أن يفعلوا كل ما يرفضه "النواصب"، وأن يحققوا كل ما يجهد "الوهابيون والتكفيريون" على منعه، وهكذا ازدادت أعداد الحسينيات وكثر قرّاء مجالس العزاء الحسيني، على حساب أعداد المدارس والمكتبات، وأعداد الخريجين من المعاهد الفنية والجامعات ممن يشكلون الطبقة الوسطى في المجتمع.
أما أغلب المعممين الشيعة من خريجي الحوزة الدينية ممن لم يبلغوا (ولا يريدون أن يبلغوا) درجة الاجتهاد والفقاهة في الدين، فكانوا يؤكدون للمجتمع العراقي إن ما يجري عليهم من مصائب القتل الجماعي والذبح على اسم عبد الحسين وعبد الزهرة ما هو إلا "بلاء ربّاني" وهو دليل على صحة إيمانهم، "فالمؤمن مبتلى"، وما الحرمان من الخدمات والكهرباء بل والحرمان من وجود "الدولة الكريمة"، والاستقرار الاقتصادي والسلام الاجتماعي إلا أدلة إضافيّة على "أن الله إذا أحبّ مؤمنا ابتلاه".
يشعر السياسي الشيعي بالطمأنينة هو الآخر، لأن أغلب الشيعة، اليوم، في ظل ثقافة الموت، يعتقدون أنهم شعب الله المختار لبلائه، وأن ما يجري عليهم سببه ابتلاء الله، لا بسبب فساد الذين يُديرون الدولة.