العراق.. دولة الفوضى العميقة

في ظل التطورات الأخيرة في المنطقة والتوتر الجديد بين الولايات المتحدة الامريكية وايران ليس من السهل السيطرة على رد فعل تلك المجموعات العقائدية أو احتوائها لأنها قوى تستمد شرعيتها الأخلاقية من خطاب الدين ولا علاقة لها بقواعد العمل السياسي.

بقلم: سليم سوزه

ثمّة استخدام مكثف لمصطلح "الدولة العميقة" في الآونة الأخيرة كلما صار الحديث في الشأن السياسي العراقي. وبعيداً عن جينالوجيا هذا المفهوم وجذوره التي تعود للدولة التركية في بدايات القرن العشرين، صار هذا التوصيف اليوم مرتبطاً ارتباطاً ميكانيكياً بالدول الديمقراطية ذات التاريخ المؤسّساتي العريق، حيث تفرض آلة المؤسسة شروطها على المسؤول فتصبح قدرة هذا المسؤول محدودة في مواجهة بيروقراطية مؤسسته التي يعمل فيها. هي، ببساطة شديدة، دولة ظل لدى القائمين عليها القدرة على تحدّي السلطة الظاهرية من خلال هيمنتهم على القرار السياسي والقانوني والأمني خلف الكواليس وعبر آليات رسّختها المؤسسة طوال مساحة زمنية واسعة. فهل ثمّة دولة عميقة في العراق يا ترى؟

باعتقادي، ليس هذا المفهوم واضحاً في العراق، فلا المؤسسة العراقية قادرة على التحكّم بإرادة المسؤولين العراقيين ولا هناك دولة منضبطة ترسّخت فيها قواعد العمل الإداري. بالعكس، باستطاعة المسؤول ان يفرض هو ما يريده على المؤسسة فيحوّلها متى أراد الى ديوان للقرابة والمحسوبيات. تاريخ العملية السياسية العراقية بعد عام 2003 يشهد بضعف المؤسسة وهوانها أمام فوضوية المسؤول العراقي والنقص الحاد في خبرته.

ربما التوصيف الأكثر دقة للحالة العراقية هي الفوضى العميقة أو الدولة الهشّة، الدولة التي تتحكم بقرارها قوى ما دون الدولة عبر مجموعات عقائدية مسلحة تهيمن على الشارع وليس على المؤسسة. لدى هذه المجموعات السلاح والمال والفتوى، ثم إعلامها الخاص الذي يعيد تسويق الصراع السياسي على السلطة بوصفه صراعاً عقائدياً على الأرض والوجود والثقافة. صراع أخلاقي مهمته حماية "الطائفة" من تهديد "اعدائها".

تفرض هذه القوى إرادتها من خارج المؤسسة وليس من داخلها عبر هوية دينية عابرة للحدود صنعتها الفتوى لتجعل من العراق مجرد ضلع في مثلث حرب شرق أوسطي ينتهي ضلعاه الآخران في لبنان واليمن.

في ظل التطورات الأخيرة في المنطقة والتوتر الجديد بين الولايات المتحدة الامريكية وايران، ليس من السهل السيطرة على رد فعل تلك المجموعات العقائدية أو احتوائها لأنها قوى تستمد شرعيتها الأخلاقية من خطاب الدين ولا علاقة لها بقواعد العمل السياسي التي تفرضها الظروف الموضوعية للدولة تبعاً لحجمها وقوتها ومصالحها العليا.

لم تكن قوى الفوضى العميقة يوماً ضمن هيكلية الدولة ولا نسيجها ولكنها في ذات الوقت لا يمكن لها العيش بعيداً عن الدولة بشرط ان تكون هذه الدولة رخوة وهشة. مثلها مثل أي طفيلي، لديها استقلاليتها لكنها استقلالية مشروطة بوجود حاضنة رخوة وإلّا ينتهي وجودها هي الأخرى بغياب تلك الحاضنة. بمعنى آخر، نحن أمام تنظيمات هلامية ليس من السهل معرفة كل تفاصيلها وتحركاتها. ترتبط بعض أذرعها بمؤسسات الدولة بقدر ما تعود به تلك المؤسسات من أموال عليها، إلّا أن وجودها وقوتها الفعلية لا تستمده من تلك المؤسسات وأنما من شارعها وسلاحها. ليست “للدولة” حضور في خطابات هذه التنظميات إلّا عندما لا يتعارض سلوك الدولة مع إيديولوجيتها الدينية. فحين تتّفق “الدولة” مع إيديولوجية هذه التنظيمات في موقفٍ ما، تصبح “الدولة” هي اللافتة البديلة عن كل اللافتات الدينية الأخرى.

لا توجد "دولة عميقة" في العراق. من الصعب إستعمال مفهوم الدولة العميقة عند الحديث عن النظام السياسي العراقي لأنه مفهوم يشترط وجود مؤسسة عريقة ولاعب سياسي وراء الكواليس وقوانين رسّختها التجربة السياسية. إستخدام هذا المفهوم في الحالة العراقية من قبل المراقبين والمحللين السياسيين هو استخدام متساهل في طبيعته. ما موجود في العراق هي دولة الفوضى العميقة، فوضى تتحكم فيها قوى مسلحة من خارج المؤسسة. قوى تسيطر على قرار الدولة من الأسفل [المجتمع] وليس من الأعلى [المؤسسة] ولديها القدرة على التأثير في السياسة العامة للبلد عبر خطاب الهيمنة الديني تارة والتهديد بالسلاح تارةً أخرى. إنها دولة الفوضى العميقة وليست الدولة العميقة ذاتها.

عن المدى البغدادية