العراق.. الإسلام السياسي وقتل المؤسسة الجامعية

حين نعرف كيف حوّلت حكومات الإسلام السياسي جامعات البلاد إلى مجرد هياكل خاوية من العلم تجمع بين حيطانها طلبة مفرغين هدفهم نيل الألقاب العلمية لا الإسهام في قيادة البلاد في مختلف قواها والإدارية والاقتصادية والعلمية والاجتماعية الإنسانية ندرك جيداً لماذا لا نعثر على جامعة عراقية واحدة ضمن أرقى 1000 جامعة في التصنيف الدولي للجامعات في بلدان العالم.

بقلم: ناصر الحجاج

وُجدت الجامعات في البلدان الغربية لتصنع التطور، ووجدت الجامعات في بلداننا لتواكب التطور، ومع ذلك فقد أضرّ نظام حزب البعث بالمؤسسة الجامعية في العراق، وشغل أساتذتَها بالعمل الإضافي لسد جوع العائلة في فترة الحصار الاقتصادي الذي فرض على العراق خلال التسعينيات، فبيعت أسئلة الامتحانات وزوّرت "الشهادات" وتدنّت سمعة الأكاديميين والأكاديميات العراقيين، حتى جاء الإسلام السياسي، بعد إسقاط نظام صدام، ليعلنَ عداءه لمصادر التعليم والبحث العلمي في "الغرب الكافر" معتبراً "الدولة الديمقراطية دولة كافرة يجب القضاء عليها بكل الوسائل"، ويقضيَ على ما تبقى من دور الجامعات العراقية، ويحوّلها خلال 15 سنة إلى مصانع لإنتاج العاطلين عن العمل في مختلف التخصصات.

حين نعرف كيف حوّلت حكومات الإسلام السياسي جامعات البلاد إلى مجرد هياكل خاوية من العلم، تجمع بين حيطانها طلبة مفرغين هدفهم نيل الألقاب العلمية، لا الإسهام في قيادة البلاد في مختلف قواها والإدارية والاقتصادية والعلمية والاجتماعية الإنسانية، ندرك جيداً لماذا لا نعثر على جامعة عراقية واحدة ضمن أرقى 1000 جامعة في التصنيف الدولي للجامعات في بلدان العالم، فيما حصة جارتنا جمهورية إيران الإسلامية 13 عشرة جامعة وحصة جارتنا المملكة العربية السعودية 4 جامعات، وقد فاق عدد الطلاب السعوديين المبتعثين إلى الدراسة في الولايات المتحدة وحدها في عام 2017 مئة ألف مبتعث من مختلف المحافظات، مع العلم إن الدولة تتحمل تكاليف الأزواج والأبناء المرافقين لذلك العدد من المبتعثين.

لم يعد السكوت ممكناً على ما يجري من عمليات تحويل المؤسسات الأكاديمية إلى حقول دواجن، فالجامعات العراقية لم تسهم ولو بمؤلف واحد من كليات الفقه أو الشريعة يضع الفكر التكفيري القاعدي ـ الداعشي في سياقه التاريخي والفقهي والنفسي والاجتماعي، بحيث يمكن القول إن المؤسسة الجامعية ساهمت في القضاء على الإرهاب والجهل وأسست للفهم العلمي والعيش المشترك بين مختلف العقائد في المجتمع العراقي.

لقد عجزت المؤسسة الجامعية في العراقي عن خلق وعي ثقافي بضرورة الحياة المدنية، وبالحاجة إلى نبذ عسكرة المجتمع وسوق المدنيين للقتال بدلاً عن التشكيلات المسلحة للمؤسسات الأمنية العراقية، فيما عجزت كذلك عن صنع القادة الأمنيين، والاقتصاديين، والثقافيين الذين يتولون إدارة الوزارات الأمنية والاستخبارية، والاقتصادية والثقافية والتعليمية.

كان الملا مصطفى البارزاني يردد: " إنّ الطلبة هم رأس الرمح في كل ثورة وكل انتفاضة"، وقد صدقت مقولته بعد سنوات في الثورة الإسلامية الإيرانية التي انطلقت من جامعة طهران (كرمت الجامعة بعد الثورة بإقامة صلاة الجمعة فيها) ولم يتهم أحد حينها الولايات المتحدة بقيادة الثورة لأن مؤسسي الجامعة كانوا خريجي الجامعات الأمريكية (أسسها الدكتور عيسى صديق خريج جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة). وبقيت الجامعات الإيرانية مدينة إلى الجامعات الأمريكية حتى في إنجاز الاتفاق النووي (برئاسة وزير الخارجية محمد جواد ظريف الذي قضى سنوات الحرب العراقية ـ الإيرانية طالبا في الجامعات الأمريكية من كاليفورنيا إلى نيويورك).

لكن، ثمة ما يدعو إلى التفاؤل، لأن قبضة الإسلام السياسي بدأت تخفف خناقها على المؤسسة الجامعية، ليس رحمة بالعراق، وإنما بفعل الوعي الطلابي وبفضل الانفتاح المعرفي والثقافي الذي أمنته المواقع الإلكترونية على شبكة الانترنت، ولعل قليلا من البراغماتية (العملانية) سيدفع الأساتذة والطلاب في الجامعات العراقية إلى التفكير بطريقة واقعية عملية أكثر، تجعلهم يرتقون إلى مستوى التحديات التي تواجه العراق، فيميزون بين عقلية المؤامرة والوهم التي يعوّل عليها الإسلام السياسي لاستعداء الغرب ومنجزاته العلمية، وبين حاجة العراق إلى بناء كيانه الحضاري من خلال طلب العلوم في الصين "الشيوعية" أو في أمريكا "الرأسمالية"، فما تلك "المسميات التكفيرية" إلا بعض من مخلفات كهنة المعابد القديمة التي ورثها كهنة الإسلام السياسي.

عن المدى