ممدوح عامر يبحث عن اليونانيين في الإسكندرية

الكتاب من الدراسات الجادة التي تعرضت لحياة اليونانيين في الإسكندرية إبَّانَ تألقهم وازدهار جاليتهم الكبيرة في هذه المدينة المصرية العريقة. 
المؤلف طوّف بالمكتبات، وحلق في آفاق المراجع، وغاصَ في سجلات البيانات
تكوين الجالية اليونانية في الإسكندرية ونموها إبَّانَ القرن التاسع عشر

بقلم: محمد محمد السنباطي

مع مطلع هذا العام 2019، صدر عن مركز الحضارة العربية كتابٌ للباحث الأكاديمي ممدوح محمد عامر عنوانه "اليونانيون في الاسكندرية في القرن التاسع عشر"، وهو من الدراسات الجادة التي تعرضت لحياة اليونانيين في الإسكندرية إبَّانَ تألقهم وازدهار جاليتهم الكبيرة في هذه المدينة المصرية العريقة. 
ويمكنني بعد قراءتي لهذا الكتاب أن أؤكد أنه يروي غليل القارئ المتعطش لمعرفة أحوال تلك الجالية الكبيرة المهمة، وَتَتَبُّعِ أنشطتها في المجالات المختلفة من شئون الحياة المتعددة وهمومها. وقد عَمَدَ فيه الكاتب إلى الدقة والتقصِّي، وتحري الصدق والتوثيق، بمصداقيةٍ وأنانةٍ، فطوف بالمكتبات، وحلق في آفاق المراجع، وغاصَ في سجلات البيانات، وجمع من كل حدب وصوب، حتى ظهرَ الكتاب بالصورة المنشودة التي يتعطش أبناءُ الجالية اليونانية بالإسكندرية إلى النهل من منهلها، والرِّيِّ من معينها، والتزود من أخبارها طبقا لمصادر ومراجع ذات شأن.
كما أن الكتابَ مزودٌ بالملاحق، فنجد ملحقًا بالمنازل التي سكنها اليونيون بالإسكندرية حتى عام 1866، واسم كل ساكنٍ يوناني، ورقم منزله، والحرفة التي عمل بها في المنطقة المتاخمة لميدان محمد علي (المنشية حاليا). وملحقًا آخرَ يحتوي على شوارع الإسكندرية التي تحمل أسماء يونانية وشملت أكثرَ مِن مِئَةِ اسم يونانيٍّ مكتوبة على لافتات هذه الشوارع، ليس فقط وإنما قام الباحث بالتعريف بأصحاب هذه الأسماء. 
أما الملحق الثالث فَسِجِلُّ قيد السندات الشرعية ويشمل مجموعة من الحجج والسندات الشرعية الخاصة بيوناني الإسكندرية. 

أما الملحق الثالث فَسِجِلُّ قيد السندات الشرعية ويشمل مجموعة من الحجج والسندات الشرعية الخاصة بيوناني الإسكندرية. 
فإذا ما بدأنا بفصولِ الكتابِ وَجَدنَا الفصلَ الأولَ يتحدثُ عن تكوين الجالية اليونانية في الإسكندرية ونموها إبَّانَ القرن التاسع عشر. بينما يتناول الفصل الثاني نشاط اليونانيين التجاري والمصرفي، والفصل الثالث نشاطهم الزراعي، والرابع نشاطهم الصناعي، والخامس التعليمي، والسادس مجال الطب والصيدلة، والسابع مجال الطباعة والصحافة، والثامن النشاط الأدبي والثقافي.
فمتى وصلت طلائع اليونانيين إلى الإسكندرية في القرن التاسع عشر؟ يقول الكتاب إن ذلك كان بعد تصفية المماليك عام 1811، إذ وصل عدد من التجار وكثير من الأفراد جذبهم تعاطف محمد علي معهم، فالتحقوا بخدمة الباشا، فاشتغل بعضهم كبستانيين، والبعض الآخر اشتغلوا مقاولين أو نقاشين في القصور التى شيدها محمد علي، ومنهم من عملوا كصناع ورسامين بمصانعه." كما التحق عدد منهم بحملة السودان عام 1819 ــ1821 بقيادة إسماعيل باشا التحق عدد من اليونانيين بالحملة كمترجمين وأطباء ومشرفين على شئون التغذية. 
ليس عطف محمد علي فقط هو ما حث اليونانيين على التوجه إلى الإسكندرية، وإنما يتوفر سبب آخر قريب من هذا، فاليونانيون لم يجيئوا إلى مصر فى أعداد كبيرة إلا عقب ثورة اليونان عام 1821، وما أعقبها من الاضطهاد التركى في الإمبراطورية العثمانية، وهذا أدى إلى إجبار الكثيرين من اليونانيين إلى ترك المقاطعات اليونانية في الإمبراطورية العثمانية، مما زاد من عدد الجالية اليونانية بالإسكندرية، وذلك عن طريق العديد من اللاجئين اليونانيين الذين اُستقبلوا بكل عطف وود من قبل محمد على باشا. 
ويلفت الكاتب نظرنا إلى شيء مهم، وهو أن المهاجرين اليونانيين وصلوا من بحر إيجه إلى مصر، ومعهم ثروات ضخمة، وآخرين كانوا فلاحين مهرة لا يملكون من رأس المال شيئًا غير ذكائهم الشخصي وقدرتهم وشجاعتهم، وبعضهم لم يكونوا لاجئين، وإنما كانوا أعضاء في بيوت تجارية قديمة في استانبول وسالونيك وأزمير، أرسلوا إلى الخارج لينشئوا فروعًا جديدة ويوسعوا عمليات الشركة الأصلية. 

اليونانيون في الإسكندرية
فترة زمنية مزدهرة من تاريخ مصر

ويأخذنا العجب عندما نقرأ ص25 أنه "عقب ثورة اليونان عام 1821، وفد إلى مصر عدد كبير من اليونانيين كلاجئين أو تجاراً، ولكننا نعرف أيضاً بأن عدداً كبيراً من اليونانيين تم أسرُهُم أثناء تلك الحرب، حيث بيعوا رقيقًا في مصر، فعندما توغل جيش إبراهيم باشا في بلاد المورة، ألقى القبض على الآلاف من الرجال والنساء والشباب والأطفال اليونانيين الذين أرسلوا إلى مصر، حيث بيعوا كأرقاء." 
ويُقدّر عدد الرقيق اليونانيين الذين كانوا موجودين في مصر في عام 1828 بما يتراوح ما بين 1200 و 1400 من الرقيق اليوناني، يتكونون من أطفال ونساء ورجال، وقد بيع الواحد منهم في المتوسط ب 500 فرنك. وهؤلاء الرقيق لم يباعوا للمسلمين في مصر فقط، ولكن العديد منهم قد بيعوا أيضاً للمسيحيين، أما النساء اليونانيات اللاتى أصبحن بعد بيعهن فى مصر جواري، فإن بعضهن قد تزوجن من مسلمين، ومن الرقيق اليونانيين الذين بيعوا في مصر، قُدِّرَ عَدَدُ مَن يمتلكهم من اليونانيين عام 1828 بـ 200 يوناني. وقد عُومل الرقيق اليوناني في مصر عموماً معاملة إنسانية، حتى أن غالبيتهم كانوا يفضّلون البقاء في مصر عند ساداتهم. 
كما كان الرقيق اليوناني يندرج في سلك الأسرة المصرية التي اشترته بمالها. واستطاعوا الصعود إلى أعلى المراتب في الهيئة الاجتماعية والحلول في الوظائف الكبيرة والمراكز السامية. فهؤلاء بعد أن بيعوا كأرقاء، اعتنق غالبيتهم الديانة الإسلامية، ووصل بعضهم إلى أسمى المناصب في الإدارة والجيش.
وقد يتبادر إلى الذهن سؤال عن كيفية معاملة المصريين للأسرى الأرقاء، فنجد في الكتاب ص26: "وقد بيّنَ المؤرخون المحدثون الأوروبيون ما بذله محمد علي من الجهد والمال لجمع من بيع بمصر من سبي بلاد اليونان وتحريره، وأشادوا بحسن معاملته لليونانيين المقيمين بمصر، وتركه لهم حرية كاملة لكسب رزقهم، بل وللعمل لأغراض ثورتهم في اليونان أحيانًا، وذلك في وقت تقدمت فيها السفن اليونانية نحو الإسكندرية للاستيلاء على السفن التجارية الخارجة منها أو الداخلة إليها، بل ولمحاولة إحراق ما في مينائها من السفن التجارية والحربية، كما أشادوا باستطاعته اجتذاب عدد غير قليل من البحارة اليونانيين للعمل في أسطوله."
ليس هذا فقط وإنما حدثت أمور لم تكن على البال ولا الخاطر:
"أما بالنسبة للأسرى اليونان من النساء والبنات اللائي أحضرن إلى مصر أثناء حرب المورة، فقد نجح محمد علي إلى حد كبير في تمكين هؤلاء الجواري من السيطرة على البيوت المصرية، وانتزاع الأزواج من نسائهم الوطنيات، حيث أصبحت الجارية في أكثر الأسر المصرية هي الزوجة الأولى والمحظية المقدمة على سائر نساء الأسرة. ولم يقتصر غزو هؤلاء الجواري على القصور والبيوت الكبيرة، بل امتد حتى شمل أغلب البيوت المصرية المتوسطة الحال، سواء في المدن أو القرى، حتى قيل إنه لم يكن يوجد بيت في مصر يخلو من جارية أو أكثر، إذ بلغ عدد هؤلاء الجوارى ثلاثة آلاف من الجواري البيض من الجنسيات اللائي جلبهن محمد علي وأبناؤه من شركسيات وقبرصيات وغيرهن." 
واستمر عدد الجالية اليونانية في التزايد خلال القرن التاسع عشر حتى حتى وصل عام 1868 إلى 10000 يوناني. وبهذا شكّل اليونانيون أكبر نسبة للأجانب بالإسكندرية، إذ بلغ إجمالي عدد الأجانب بالمدينة 40000 أجنبي. 
فكيف كان حالهم بعد أن انتشروا يعملون في مجالات شتى؟
نقرأ في ص28:
وهذه الزيادة الكبيرة في عدد اليونانيين الذين استوطنوا في مدينة الإسكندرية في هذه الفترة تؤيده سجلات المحكمة الشرعية، كما تظهر تلك السجلات أن اليونانيين قد أثروا وجمعوا من المال ما أمكنهم، عن طريق شراء أراضي بناء شاسعة، أقاموا عليها بيوتاً فخمة، وقد تركزوا أساساً في منطقة المنشية وباب سدره والعطارين وكوم الدكة.         
ففي أحد دفاتر لسجل مبايعات "من عمل محكمة إسكندرية الشرعية" من اليوم الخامس من شهر جمادى الأولى عام 1283 هجرية إلى الخامس عشر من ذى القعدة عام 1283 (حوالى ستة أشهر) قام عدد كبير من اليونانيين بشراء مساحات واسعة من أراضي البناء وأقاموا عليها بيوتاً فخمة خاصة بهم، كما سُجل في نفس الدفتر السابق أكثر من سبع حجج عقود تمليك شراء أراضي بناء لصالح يونانيين مستوطنين بالإسكندرية. وقد تركزت تلك القطع من الأرض في مناطق المنشية وكوم الدكة وباب سدره والعطارين والجمرك. 

يونانيون في الإسكندرية
غني بالمعلومات الطريفة الموثقة،

ما ظهر من تلك الحجج أنه كان يوجد يونانيون يمتلكون قطعاً من أراضي البناء في تلك المناطق منذ فترات سابقة لعام 1866، حيث وضّحت الحُجج أن الممتلكات التي تحيط بقطع الأرض المشتراه كانت تخص يونانيين.
ولا يترك الكتاب هذا الفصل إلا بضرب الأمثال المشرفة، نختار منها أحد من ترك أعظم الأثر في تاريخ يونانيي الإسكندرية: "ميخائيل توسيسا" الذي أتى إلى مصر كتاجر عام1827، وأصبح قنصلاً لليونان، وأول رئيس للجالية اليونانية في الإسكندرية، وكان صديقاً لمحمد علي باشا. 
وقد قام "ميخائيل توسيسا" بأعمال ضخمة في خدمة الجالية اليونانية في الإسكندرية، منها تأسيس مدرسة لليونانين بالإسكندرية على نفقته الخاصة والعديد من المؤسسات الخيرية الأخرى مثل المستشفى اليوناني.  
والكنيسة اليونانية تدين بوجودها أيضًا إلى جهود ميخائيل توسيسا. ولاشك أن أعمال ميخائيل توسيسا في الإسكندرية، تُعد الصفحة الأكثر جمالاً في تاريخ الجالية اليونانية بالإسكندرية، فإنه لا يُعد المؤسس الأول والمحسن الكبير لهذه المؤسسات، ولكن أيضاً رئيس المهاجرين اليونان الأوائل الذين أتوا كتجار منذ عام1827، وأقاموا بمصر بفضل سخاء وكرم ضيافة محمد علي.
ولقد نال ميخائيل توسيسا تقدير الوالي والجاليات الأجنبية كقنصل وكرئيس للجالية اليونانية بالإسكندرية، ويرجع إليه الفضل خلال أكثر من عشرين عاماً في تقدم كل ما هو يوناني بمدينة الإسكندرية. 
وكان ميخائيل توسيسا رجلا ذا إرادة قوية، وقد غادر مصر إلى اليونان في 29 نوفمبر/تشرين الثاني عام 1854، وأقام في أثينا وتوفى بها في عام 1856، بعد أن قضى 27 عاماً في الإسكندرية، قدّم فيها حياته في حب الجالية اليونانية بالإسكندرية. 
ينتقل الكتاب بعد ذلك للحديث بإسهاب عن أنشطة اليونانيين في مدينة الإسكندرية تجاريا ومصرفيا حتى إنهم احتكروا تصدير القطن، بل يمكن القول بأن تجارة القطن في مصر عموماً كانت مركزة في أيدى يوناني الإسكندرية في خلال تلك الفترة. وأورد باورنج في قائمته أسماء ثلاثة عشر بيتاً تجارياً يونانياً، كانت قائمة بالإسكندرية في ديسمبر/كانون الأول عام 1837 يوردها الكتاب كاملة، كما يورد أسماء البنوك التي ساهم اليونانيون في تأسيسها والشركات التي أسست بجهود أو بمشاركة يونانيين.
وفي الزراعة يخبرنا الكتاب بأن اليونانيين استنبطوا أصنافًا جديدة، أسموها بأسماء يونانية، ومن هذه الأصناف للقطن اليونانى "بزيشا" و"مازكاس" و"زاجوراه" و"يانفتشى" و"ساكالاريديس"، كما احتكر اليونانيون صناعة الكحول تقريبا، وما اقترن بها من صناعة الخمرة، ناهيك عن مصانع البيرة. كما تفوقوا في صناعة السجائر، ولاقت سجائرهم الاستحسان من جانب الضباط والجنود الإنجليز والأجانب الآخرين في مصر. 
ولا تسل عن مصانع الورق ومنها مصنع "لاجوداكيس" وصناعة الحلوى والميكرونة والقطن الطبي وزوارق النيل والفخار والبلاط. وتم تأسيس أول مدرسة يونانية بالإسكندرية "مدرسة يونان" وأسست الجالية اليونانية أول مبنى مدرسي لها بالإسكندرية على نفقة ميخائيل توسيسا، وعلى قطعة من الأرض خاصة به. لتحل محل مدرسة "اليونان" السابقة.  وضم المبنى الجديد مدرسة أولية، ومدرسة للبنين، ومدرسة للبنات، ومكتبة، وقاعات عديدة أخرى، وسُمّيت هذه المدرسة باسم مؤسسها "مدرسة توسيسا"؛ تقديراً لجهود مؤسسها ميخائيل توسيسا.

وبتأسيس الجالية اليونانية بالإسكندرية عام 1843، وضعت كل مدارس اليونانيين بالإسكندرية تحت إدارة خاصة بالتعليم، متفرعة من الجمعية العمومية للجالية، وفي مجال الطب أقيم المتشفى اليوناني بالإسكندرية، ونالت المستشفى الرعاية الكاملة، شأنها شأن بقية المؤسسات اليونانية، بفضل معونات الأخوة توسيسا ــ ميخائيل وثيودورــ وستورنارا، ويونانيون آخرون، وجميع المؤسسات اليونانية، وأيضاً عن طريق الرسوم التي كانت تفرض على كل سفينة يونانية عند إبحارها من ميناء الإسكندرية لصالح المستشفى. 
وأما البنوك فقد ساهم اليونانيون في إنشاء العديد منها مثل البنك المصري الإنجليزي، بنك الإسكندرية، البنك العام، بنك ميتيلين، البنك الوطني المصري، فرع لبنك أثينا. 
وبعد، فالكتاب يقع في 227 من القطع الكبير، ولا يتسع المجال لتلخيصة تلخيصًا وافيا، فهو غني بالمعلومات الطريفة الموثقة، وبالمصادر والمراجع الدقيقة الموثوق بها، وفي النهاية فهو وإن تحدث عن اليونانيين، فقد تحدث عن فترة زمنية مزدهرة من تاريخ مصر الحضارة.