اليوم الأخير من رحلة طريق الحرير
الشارقة ـ قال أحد الحكماء أن الأرض لا تنتهي فهي مسير طويل وشاق نحو النهاية، لا أحد في الحقيقة يدري ما هي النهاية، ربما تكون مجرد بداية ما، ربما تكون منتصف الأشياء، وربما تكون لا شيء، هكذا هي الطرق الوعرة والمعبّدة بالهباء، تتخذ مسارات لا قرار لها، فكلما حفرت الأرجل معالمها على وجه الأرض، كلما زرعت الكثير من الحكايات التي لا يمكن لها أن تصمت، وها نحن نحطّ رحالنا في المشهد الأخير الذي رواه مهرجان الشارقة القرائي للطفل في دورته الـ11، عبر قافلة الحرير التي شقت قارة آسيا وعبرت جبالها وصحاريها.
"سمرقند" آخر المدن الجميلة، أجمل المدن الأخيرة، هي نقطة التوقف النهائية أمام القافلة قبل وصولها إلى بغداد، المدينة التي صنعت منذ طفولة التاريخ، بعد قليل سيواصل الرحالة مسيرهم بعد أن يستجمعوا قواهم وشغفهم وبضاعتهم التي باعوا جزءاً منها للأهالي والمحال، والأخرى التي ابتاعوها من هنا ليذهبوا بها غرباً صوب الأقصى من الأرض الخضراء، بدت عيون الشيخ وكأنها محمّرة، سألوه ما بك يا شيخ؟ قال: لا شيء ربما هي مجرد حرارة الطقس وأشعة الشمس لا أدري لا عليكم هيّا بنا لننطلق، وبالفعل تجهّز الجمع وهمّوا بالرحيل.
ليس سهلاً أن تودّع مدينة بأكملها، أن تلوّح وهذا كلّ ما في الأمر، أطرقت القافلة في سمعها نحو نداء أخير من أهالي المدينة يوصونهم أن كونوا بخير، وانطلقت القافلة بعد أن خبأت في ذاكرتها الكثير عن حكايات وروائح وأطعمة المدينة وتاريخها، كانت سمرقند مدينة لا تتكرر، في الطريق سيلتقي رحالة القافلة بمشاهد لم يروها من قبل، الطريق إلى بغداد ليست بالصعبة بل ممهدة بالكثير من الجمال، وبمجرد ما تاهت الصحراء خلفهم انتهى الصعب.
"آمو داريا" أو نهر جيجون، فاتحة مائية لعبور البلاد، شقّ طويل يصل إلى 2.525 كيلو مترا، يقصّ كلّ من أفغانستان وطاجكستان وأوزباكستان، يقطع ثلاث بلاد، فهو الرئة التي تمدّ سكان تلك البلاد بالحياة، ما أن شارفت القافلة على الوصول إليه حتى بدأت بالفرح هناك مصبات مائية، فأينما وجد الماء وجد الفرح، وهكذا حتى وصلوه ليلاً، متعبين منهكين، تكاثروا حول ضفافه، أشعلوا نارهم، منهم من قفز للسباحة، منهم من خاف من الاقتراب، الآخرون اكتفوا بالجلوس ومراقبة صفاء صفحة مائه حتى ما أنهكهم النعاس وناموا.
بعد أن خرجت الشمس وأطلت برأسها على القافلة حتى استفاق الجمع، بدأوا في لملمة متاعهم، تأكدوا من أن النار أطفئت بالكامل، استداروا الكل في مكانه، الرحال على الجمال، لكن أين الشيخ؟ الكل موجود إلاه، أين تراه ذهب؟ بدأ الصياح ياااشيخ... أين أنت.. هيا سنذهب!! بعد بحث متواصل وجده أحد الصبية سانداً ظهره إلى جذع شجرة خرّوب كبيرة، هندامه مرتّب، طاقيته المعهودة ترتاح إلى جانبه، وجهه صافٍ لا يشي بشيء، لكنه بارد كقطعة ثلج، مدّ أحد الرجال ليحاول إيقاظه فتهاوى مثل ريشة كسرتها الريح.
دُفن الشيخ على ضفة النهر، لقد أصيب بحمّى نادرة، مرض غريب لم يعرف عنه أحد شيئاً يسبب احمراراً في الأعين ويشبه السمّ بهدوء يقتل صاحبه، لقد صمت الجميع بعد أن ودّعوه بحفنات من تراب وورود مجففة كانت معهم من تيان شان، نثروها لآخر مرة، وأداروا راحلتهم وهمّوا إلى الغرب.
ليس الموت إلا حكاية تتوقف دائماً عن الرواية، فالقافلة سارت في نهاية الأمر بوجه ميمم صوب بغداد، هذه المدينة التي وقفت على بوابة الحياة ولم تتنازل عن كبريائها يوماً، مرّ عليها الآشوريون والبابليون والسومريون والحضارات الغابرة، مرّ عليها كلّ البشر، ومازالت تستحم في كلّ صباح من دجلة، وفي المساء من الفرات، تصبّ بها كلّ المياه، فتستيقظ فاتنة مع كل أشعة شمس، هكذا كانت في أول نظرة لها من بعيد، مدينة بأسوار عالية وكأنها دوماً على أهبة الحرب، تساءل الرحالة عن ماهية هذه البوابات، أجاب آخر: هي مداخل المدينة، ودرءاً للغزاة، أهلها وادعون خلفها، نيران قدورهم متقدة، والعيون تلمع، هذه مدينة ساحرة، سنصل لها وسنبقى بها إلى أن نعود في العام المقبل.
دخلت القافلة بوابة بغداد، استقبلهم الأهالي بالأرزّ والورد، الزائر إليها لا يخيب، والناس هناك يشمون رائحة الغريب من بعيد فيهدئون من روعه ويطفؤون غربته، في بغداد رائحة مختلفة، جميلة، نقية، كمسحة المطر على جبين الأرض، مثلما تترك الأم قبلتها على جبين الوليد، لقد كانت الدهشة هي كل ما اعتمل في داخل الرحالة، هذه البلاد لم يروا مثلها من قبل، مزينة بالنخيل، هادئة مثل القصب، دخلت الجمال من البوابات، وحبال يجرونها من التعب، وجوه القافلة متعبة، عيونهم تشخص في المكان، يتفحصون الأسواق والأماكن والأبنية وكأنهم لأول مرّة يدخلون مدينة حقيقية، هذه بغداد قصر الذهب والقباب، مدينة السلام، بيت الحكمة.
بركوا في جمالهم عند بئر في منتصف الحيّ الأول في المدينة، محال لبيع الخضراوات والأعشاب ومستلزمات العطارة، جزارين، باعة طيور وأسماك، الأرض مرصوفة بشكل مثاليّ، لا هي حجارة ولا رخام، رائحة يمتزج بها البخور والحطب، هناك طعم للرائحة، بدأ الرحالة بالتجوال في المدينة، منهم من حمل بضاعته ومضى يبحث لها عن مشترٍ، آخر ذهب ليبحث عن عطور فاخرة، وآخر عن جلود، وقسم آخر ذهب إلى أزقة الحي للتعرّف على جمالها، وبعد أن أنهكهم المسير في شوارعها، بحثوا عن أمكان للراحة والنوم، ربطوا جمالهم في حظائرها، استعدوا للذهاب وقبل أن ينزل الليل وفي زقاق من الأزقة لمحوا الشيخ وهو يمشي خفيفاً هادئاً ويقطع الطريق ويختفي في آخره.



