الشارع العراقي يرفض اختزال مطالبه في استقالة عبدالمهدي

اتفاق الكتل البرلمانية على بديل لعادل عبد المهدي في حال استقال فعلا، لن يكون مهمة سهلة في نظام يوزع الحقائب على أساس طائفي.

بغداد - عبر المحتجون العراقيون عن رفضهم اختزال مطالبهم التي خرجوا في مظاهرات غير مسبوقة من أجل تحقيقها منذ بداية الشهر الجاري، في استقالة رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي فقط، في رد فعل سلبي على خطاب الرئيس برهم صالح اليوم الخميس.

وقال الرئيس العراقي برهم صالح الخميس في خطاب بثه التلفزيون على الهواء، إن رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي مستعد لتقديم استقالته، استجابة لمظاهرات حاشدة إذا توصلت الكتل البرلمانية لبديل مقبول لتجنب أي فراغ دستوري.

وأوضح صالح أن إجراء انتخابات مبكرة لا يمكن أن يتم إلا وفقا لقانون انتخابات جديد، مطالبا باستبدال مفوضية الانتخابات الحالية بمفوضية أخرى جديدة ومستقلة "حقا".

وقال "أؤكد أنني كرئيس للجمهورية سأوافق على انتخابات مبكرة بعد الموافقة على قانون الانتخابات"، مشيرا إلى أن الوضع القائم غير قابل للاستمرار وأن "مطالب الشعب وضعتنا على المحك".

وأضاف صالح إن رئيس الوزراء "أبدى موافقته على تقديم استقالته طالبا من الكتل السياسية التفاهم على بديل مقبول وذلك في ظل الالتزام بالسياقات الدستورية والقانونية وبما يمنع حدوث فراغ دستوري".

لكن العراقيون احتشدوا بالآلاف في بغداد للمطالبة بإنهاء النظام الحالي لاقتسام السلطة على أساس طائفي، رافضين أن يتم اختزال مطالبهم في رحيل رئيس الوزراء فقط.

وفي أول رد فعل شعبي، قال حيدر كاظم (49 عاما) في ساحة التحرير في وسط بغداد التي تشهد منذ أيام تظاهرات حاشدة، "خطاب برهم مخدر للشعب".

وأضاف "هل من المعقول ألا يوجد في العراق كله بديل لعبد المهدي؟"، معتبرا أن "المشكلة هي في كل الأحزاب الحاكمة، واستقالة عبدالمهدي ليس حلا لكنها جزء من الحل".

واعتبر صالح في خطابه تظاهر العراقيين في الشارع حق مشروع قائلا إن "الشباب هو أمل العراق وأنا منحاز إليكم بمشاعري، ومعكم في مظاهراتكم ومطالبكم المشروعة".

واستغرقت المفاوضات أكثر من ستة أشهر قبل تعيين عبد المهدي قبل عام ولن يكون اتفاق الكتل البرلمانية على بديل له مهمة سهلة.

وأكد على ضرورة محاسبة المجرمين المتورطين بأعمال العنف التي رافقت الاحتجاجات في العراق، والتي أدت إلى مقتل أكثر من 250 شخصا في اشتباكات مع قوات الأمن والجماعات شبه العسكرية الموالية للحكومة والمدعومة من إيران منذ بدء الاحتجاجات في الأول من أكتوبر/تشرين الأول.

وتحولت تلك الاحتجاجات بعد عمليات قمع دموية إلى أسوأ اضطرابات يشهدها العراق منذ سقوط نظام صدام حسين في عام 2003.

واليوم الخميس، قتل متظاهر وأصيب أكثر من 50 آخرين في اشتباكات مع قوات الأمن والجماعات شبه العسكرية، مع استئناف عشرات الآلاف الاحتجاجات الحاشدة في بغداد، للمطالبة بإنهاء النظام الطائفي الذي يرون أنه السبب في الفساد المستشري والمصاعب الاقتصادية.

وفي بلد يحتل المرتبة 12 في لائحة الدول الأكثر فساداً في العام، وتسود فيه المحاصصة الطائفية والإتنية، يصر المحتجون على ضرورة تعديل النظام السياسي الذي أصبح يخدم فقط مصالح السياسيين والكتل المنقسمة حسب ولاءاتهم المتوزعة بين القوتين المتعاديتين، إيران والولايات المتحدة.

والتهم الموجهة إلى الطبقة السياسية في العراق هي التقصير في توفير الوظائف والخدمات، وملء جيوب المسؤولين بأموال الفساد الذي كان سبب تبخّر أكثر من 450 مليار دولار في 16 عاماً، بحسب أرقام رسمية.

وبعد الحصيلة الدموية لحملة القمع ضد الحراك الشعبي، حمل المتظاهرون عبدالمهدي مسؤولية قتل المحتجين من قبل فصائل الحشد الشعبي التي تضم فصائل شيعية عراقية موالية لإيران والتي أمر بضمها إلى القوات المسلحة في يوليو الماضي.

وكشفت مصادر أمنية في وقت سابق تورط ميليشيات وقناصة انتشروا على أسطح المباني في بغداد لاستهداف المحتجين.

وفي كلمته قال صالح إنه "في هذه الظروف، تتأكد مرةً أخرى أهميةُ أن يكونَ السلاحُ بأيدي الدولة.. نتوقعُ عملاً مضاعفاً من الحكومةِ ومؤسساتِها للشروعِ بتنفيذٍ فعلي لمبدأ حصرِ السلاح بيدِ الدولة، الدولةِ وحدها، وليس بأيدي جهاتٍ منفلتة وخارجة عن القانون".

وتابع "لا أمنا ولا اطمئنانا من دون هذا، من دون احتكارِ الدولة وحدها للسلاح. هذا يساعدُنا في ضبطِ الأمن وفي تفادي معاركَ واقتتالٍ بين جماعاتٍ مسلحة كلما تنافرت هذه الجماعات واختلفت. في هذا الظرف لا بدّ من عمل استثنائي للبرلمان".

وأضاف الرئيس العراقي أن "القمع مرفوض واستخدام القوة والعنف مرفوض والحل بالإصلاح ومواجهة المجرمين".

ورغم وعود عادل عبد المهدي الذي تولى السلطة قبل نحو عام بعد أسابيع من الجمود السياسي، بالإصلاح وإصدار أوامر بإجراء تعديل حكومي فإن ذلك ليس كافيا لمعالجة شكاوى المتظاهرين.

بل حتى استقالته لم تعد وحدها الهدف، حيث يطالب المحتجون بمحاسبة الفاسدين في السلطة وإبعاد الأحزاب الحاكمة حاليا عن الحكومة الجديدة ووضع حكومة من التكنوقراط.

وقال المتظاهر حامد مجيد من سكان الناصرية "لماذا لا يصدر رئيس الجمهورية أمرا فوريا بنزع السلاح من الجهات الخارجة عن القانون"، معتبرا أن أحدا "لا يتجرأ على سحبه من الأجنحة العسكرية للأحزاب".

ورأى أن الخطاب جاء "مخيبا بكل معنى الكلمة، لأنه لم يتجرأ على التطرق إلى التدخلات الخارجية والإقليمية، رغم وجود بعضها في المنطقة الخضراء".

ووصف صباح كاظم (50 عاما) الخطاب بـ"الباهت والمخيب، ولا يعول عليه إطلاقا أمام تطلعات المتظاهرين"، مشيرا إلى أنه "لكسب الوقت ليس إلا".

وأقر البرلمان إجراءات يوم الاثنين تتضمن خفض رواتب المسؤولين لكن المحتجين وصفوا ذلك بأنه أمر لا يذكر وجاء متأخرا للغاية.

ويواجه عبد المهدي صعوبة في تلبية مطالب المحتجين رغم تعهده بإصلاحات وإجراء تغيير وزاري موسع. وقرر اليوم الخميس عدم الحضور إلى البرلمان الذي اضطر رئيسه محمد الحلبوسي إلى رفع الجلسة.

وقال الحلبوسي في تصريح صحفي "أرسلنا كتابا رسميا إلى مكتب رئيس الوزراء بشأن طلب الاستضافة وتم رفع الجلسة لعدم حضوره".

وكان البرلمان العراقي قد عقد اليوم جلسة تم خلالها مناقشة عدد من مشاريع القوانين ومطالب المتظاهرين .

كما رفض عبدالمهدي هذا الأسبوع دعوة رجل الدين الشيعي النافذ مقتدى الصدر بإجراء انتخابات مبكرة.

وقال الثلاثاء إنه إذا اتفق الصدر ومنافسه الرئيسي هادي العامري على بديل فإن ذلك سيكون أسرع من الانتخابات وسيجنب البلاد شهورا من الفوضى.

يذكر أن عبد المهدي كان مرشحا توافقيا بين العامري الذي يقود تحالفا لمقاتلين شيعة مدعومين من إيران ويملك ثاني أكبر عدد من المقاعد بالبرلمان، والصدر الذي يقود أكبر تكتل.