شيخ دين ثقة يعزف العود

مجتمع فيه الأئمة والمشايخ وطلبة العلم يروون الأسانيد والأحاديث عن إمام وثبت وثقة حلف ألا يحدث حتى يعزف على العود وروى عنه الأئمة الكثير من الأحاديث ولم يقل أحد إنه ضال لا يؤخذ عنه العلم.

بقلم: الشيخ عادل الكلباني

تصوروا مجتمعًا فيه الأئمة وفيه المشايخ وآلاف طلبة العلم يروون آلاف الأسانيد والأحاديث عن رجل هو إمام وثبت وثقة حلف ألا يحدث حتى يعزف على العود، وروى عنه الأئمة منهم الشيخان الكثير من الأحاديث، ولم يقل أحد إنه ضال لا يؤخذ عنه العلم.

قد يستطيع هذا أو ذاك لفت الأسماع وجر الأفهام إلى ما يريده من طرحٍ وتقعيد يتوافق مع الإطار الذي هو فيه، وليس ذلك بغريب، فعادة الناس الميول العاطفي خلف الخطاب الوعظي، وهذا أمر مرغب فيه أن يكون المسلم ملقيًا سمعه محضراً قلبه للموعظة والإرشاد والتوجيه، لا سيما حين يصدر من مؤهل حذق في استخدام الوعظ وتوظيفه لما فيه مصلحة العباد والبلاد، وبما يحفظ به الأمن والاستقرار، واللحمة الوطنية، وتحفظ به الشريعة الإسلامية.

لكننا نجد أحياناً بل في أوقات كثيرة أن كثيراً من أهل الوعظ نحَوا بالوعظ منحىً غير حميد، ولست بصدد طرح العظام من المسائل كتوظيفهم الوعظ لتهييج العامة على أوطانها وولاتها، فهذا غدا أمراً محسوماً، وقد عرفت الناس هذه الفئة بمجرد أن ينطق الواحد منهم أو يتفوه، ولكني سأطرح مسألة لا تقل شأناً عن سابقتها، وهي الوقوف في طريق انفتاح المملكة "حرسها الله" على بقية دول العالم والمنطقة بما يتواكب مع مكانتها الاقتصادية والعسكرية، والدينية من قبل ذلك ومن بعده.

 لا شك أن في هذا الطريق وفي هذه الخطوة ستظهر كثير من الإشكاليات والمعوقات العابرة، لكن من غير المتوقع أن تكون هذه الإشكاليات والمعوقات منسوبة للوعظ والطرح الإرشادي، ليصنف بعدها المجتمع إلى "متشدد ومتساهل" أو إلى "متمسك ومنسلخ" أو إلى "ملتزم ومميع" أو إلى تصنيفات أخرى قد لا تحمد عقباها، وكل ذلك ثمرة لطرح ذاك الخطيب أو ذاك الفقيه أو ذاك الشيخ الذي انتصر لرأيه الفقهي بالترهيب والوعظ والتعريض بالآخرين، وهي طريقة مبتدعة وشاذة عن منهج السلف في طرح مسائل الخلاف حيث كانوا لا يتقصدون ولا يحومون حول تقسيم المجتمعات وتصنيفها، والحط من قدر مخالفيهم وإلصاق المنفرات بهم بغية تشويههم وإبعاد الجماهير عنهم! فقد كانت مسائل الخلاف تطرح وتدون بكل عقلانية وبغير إثارة المجتمعات على آخذي الفقه الآخر، وينظر المجتمع بعضه لبعض بعين المحبة والإخاء وهو ما يجب على أهل الوعظ ترسيخه وتنميته لا ضرب الناس بعضها ببعض بالوعظ والفقه.

كنت أعرض صفحًا عمّن ينتقدني أو حتى يسيء إليّ بسبب بعض الآراء التي فشت بعد إقصاء، وظهرت وبانت بعد إخفاء، لكن الأمر تعدى إلى اعتبار بعض ما أقوله من الزيغ والضلال، واتباع المتشابه من الأدلة والأقوال، وليس الأمر كذلك، وغاية ما في الأمر أن هذه المسائل كانت في رفوف المكتبات، وفي صدور كثير من المشايخ والعلماء مراعاة لحال المجتمع، أو خشية منه، ولكن بعد أن اختلطت العباد، وتقاربت البلاد، وأصبحت المعلومة في متناول الحاضر والباد، فلا وجه للإنكار على من أفشى فقها، أو أظهر رأيًا كان قائماً ومعمولاً به بين المسلمين ودوّنه الفقهاء كرأي وفقه معتبر، ولعلي هنا أضع مثالاً حيًّا وصورة متكاملة لما شغبوا به عليّ في مسألة المعازف وكأنهم لم يمروا في كتب الفقه ولم يقرؤوا المسألة، وكأنهم لم يتصوروا مجتمعاً فيه علماء ومشايخ وطلبة علم يرون من يقول بإباحتها، بل ويكون أحد رموزها ولا ينكرون عليه فكأنهم استثقلوها، وهذا الاستثقال نتج عن تعصب، أو كما تقالّ أولئك النفر عبادة النبي صلى الله عليه وآله، وتذكيرًا لهم أقول تصوروا مجتمعًا فيه الأئمة وفيه المشايخ وآلاف طلبة العلم يروون آلاف الأسانيد والأحاديث عن رجل هو إمام وثبت وثقة حلف ألا يحدث حتى يعزف على العود، وروى عنه الأئمة منهم الشيخان الكثير من الأحاديث، ولم يقل أحد إنه ضال لا يؤخذ عنه العلم، ولا يُصلّى خلفه، ولا يجالس، وما اتهموه بالضلال، ولا بالزيغ وتتبع المتشابهات، بل قالوا: ثقة ثبت.

ذلكم هو إبراهيم بن سعد رحمه الله، وهو واحد من مئات العلماء والفقهاء، وهذه صورة لمجتمع من مجتمعات السلف التي جهلنا جوانب كثيرة منها وتمسكنا فقط بالجانب الذي يوافق ما نحن عليه. هذا، والله من وراء القصد.

نُشرت في الرياض السعودية