"العودة" نظرة ميثولوجية نحو الحياة الإنسانية
عمان ـ فيلم "العودة" للمخرج الروسي اندري زفياغنتسيف، الذي تعرضه مؤسسة عبد الحميد شومان، عند السادسة والنصف من مساء الأربعاء في مقرها بجبل عمان، أعاد السينما الروسية ذات التقاليد الفنية العريقة إلى واجهة المهرجانات السينمائية الدولية.
والفيلم تنبأ له النقاد مسبقا بحصد الجائزة الكبرى من مهرجان البندقية العام 2003، كما جرى ترشيحه لأوسكار أفضل فيلم أجنبي. والفيلم عن سيناريو لاثنين من الكتاب هما فلاديمير موسينكو وإلكسندر نوفوتوتسكي.
يحكى الفيلم عن أخوين، أحدهما في الثالثة عشرة والثاني في الخامسة عشرة، يعود والدهما إلى البيت فجأة بعد غياب استمر اثني عشر عاما ليلتقي بزوجته وبولديه اللذين كانا قد نسياه تماما.
في بداية الفيلم نتعرف على الابن الأصغر وهو يلهو مع أخيه وأقرانه على الشاطئ حيث يقوم الأولاد تباعا بالقفز في الماء من فوق منصة قفز شديدة الارتفاع. ويقفز جميع الأولاد ما عدا الابن الأصغر الذي يكشف عن جبنه وخوفه من الأماكن العالية. ومنذ هذه اللحظة يعتبره الأولاد جبانا ويلقبونه بالعنزة ويطردونه من مجموعتهم ثم يتركونه وحيدا يبكي من الخوف فوق قمة المنصة، عاجزا عن الهبوط، منتظرا من يأتي لكي يساعده. ويشاركهم في ذلك حتى أخوه الأكبر.
في اليوم التالي وبعدما يعود الولدان إلى المنزل إثر مشاجرة مع أولاد الحي تلاقيهما الأم فرحة أمام باب المنزل وتخبرهما ان الأب الغائب منذ اثني عشر عاما قد عاد وهو الآن يغط في النوم. يقابل الأخوان خبر وصول الأب الفجائي بشك وفضول في آن من هذا الرجل، متسائلين هل هو حقا والدهما؟ وهل هما بحاجة إليه؟ هذه هي الأسئلة التي تنشأ فورا عند الولدين وهما يتأملان الوالد المستغرق في النوم، واللذين ستفاجئهما فظاظته معهما وجفاف عاطفته نحوهما منذ لقائهما الأول.
الأب حاد الطباع، قليل الكلام، وعلى الرغم من انه لم يتعرف على ولديه كما يجب، فإنه يتضح منذ البداية أنه غير مهتم بالتعرف عليهما عن قرب ولا يبدي تجاههما أية عاطفة أبوية، فهو بكل بساطة يطالبهما بالخضوع التام لتعليماته المستمدة من مفاهيمه الرجولية القاسية، ويظهر هذا بشكل جلي من لحظة لقائهما الأول معه بعد أن يستيقظ من النوم الذي غط فيه وبعد أن ضمتهما معه مائدة الطعام، حيث لم يسمعا منه كلمة حنان واحدة ولم يصدر عنه أي تصرف يشير إلى اشتياقه لهما، بل فرض عليهما احتساء الخمر قبل الشروع في الطعام، وكأنه يتعامل مع اثنين من زملائه الرجال.
اعتبر الذين أشادوا بالفيلم ووصفوه بالعبقري أن هذا كله غير مهم، فالفيلم ليس بوليسيا بحيث نحتاج إلى تقصي الوقائع. إنه دراما ترتبط بشخصيات تعيش منافسة حامية فيما بينها، وأن كل شيء في فيلم “العودة “حقيقي: وابل المطر، الوحل، الطبيعة الجرداء، المعاناة، الشخصيات، الزمن الذي يجري هنا لا كما في السينما بل كما في الحياة.
يصف المخرج فيلمه بأنه نوع من النظرة الميثولوجية نحو الحياة الإنسانية. والفيلم يحكي عن نضوج الإنسان وعن تعلمه دروسا من غير الضروري تعلمها ولا يرضى بتعلمها بالإكراه. وكل إنسان سبق له أن كان عنيدا وشرسا في طفولته سيتعرف على نفسه من خلال سلوك الابن الأصغر بطل الفيلم ومقاومته الشرسة لتسلط الأب القاسي.