النقد الثقافي يفكك طه حسين

تسمية العصور الأدبية كـ (العصر الجاهلي والإسلامي والأموي والعباسي والأندلسي والحديث) كلّها تسميات سياسية ابتعدت عن الفنية والجمالية للأدب.
أغلب النقاد حكموا على الأدب بأنه وظيفة أو رسالة وطنية
الحداثة العربية تمثلت في العصر العباسي

حكم أغلب النقاد على الأدب بأنه وظيفة أو رسالة وطنية كونه جاء مرتبطاً بالسياسية، فمثلاً هل نجدُ ناقداً يقول عن شكسبير بأنه متذمراً لائماً لم يتحدث في مسرحياته الّا عن الدسائس في بريطانيا، بالرغم ما فيها من مآثر وأمجاد أو عن رامبو أنه لم يشر في شعره كلّه عن عظمة فرنسا، وأن أمكن وجود مثل هؤلاء النقاد فما تكون قيمة كلامهم فنياً أو شعرياً وهم لا يزالون يُصرّون على أن الأدب ناطق عن قضية أو وظيفة. 
ونرى أيضاً تسمية العصور الأدبية كـ (العصر الجاهلي والإسلامي والأموي والعباسي والأندلسي والحديث) كلّها تسميات سياسية ابتعدت عن الفنية والجمالية للأدب، وما يهمنا في هذا المقال الوقوف عند عميد الأدب طه حسين والتأمل في بعض آرائه النقدية ونظرياته التي لا بد من تفكيكها وإعادة قراءتها ثقافياً، وهذه من مهام الناقد الثقافي الذي يشرح كلّ النصوص ويكشف عن انساقها. 

العصر العباسي الأول والثاني كان عصراً ذهبياً لما فيه من ازدهار علمي وأدبي ودخول علوم جديدة كعلم الفلك والفلسفة والترجمة

ففي مقالاته التي طبعت في كتاب "حديث الأربعاء" الصادر عن دار المعارف نرى العميد يستهل حديثه في فصل بعنوان "القدماء والمحدثون" ويحكم على العصر العباسي بأنه عصر ضاقت فيه الحرية على الشعراء ويقول: "وكانت الحكومة المركزية في بغداد قوية شديدة البطش .. وأُكره الشعراء على أن يتركوا السياسية لأهل السياسية، فانمحى هذا الفن ــــــ الشعر السياسي ـــــ الذي ازدهر أيام بني أمية. (ج2 ). لو افترضنا أن الحكومة المركزية في ذاك العصر قد طوقت حرية الشاعر ومنعته من التدخل في السياسة لحوكم أبو نواس وصودر شعره، كما فعلت السلطة العراقية مع حسين مردان حين صادرت ديوانه "قصائد عارية". وأبو نواس القائل : 
فما أنا بالمشغوف وفي ضربة لازبٍ ** ولا كلّ سلطان عليَّ أمير 
والقائل: 
دع المساجد للعّباد تسكنها ** وطّف بنا حول خمّار ليسقينا 
ما قال ربّك ويل للذين سكروا ** ولكنّ قال ويلٌ للمصلينا 
والمتنبي القائل: 
وإنّما الناس بالملوك ولا ** تُفلح عربٌ ملوكهم عجم 
فأين طه حسين من هذه الأبيات التي هاجم أبو نواس السياسة والدين، والمتنبي الذي ارتبط أكثر شعره ببلاط الدولة الحمدانية، وهذا يعني أن عميدنا كان يرى ازدهار الأدب والشعر مرهون بالسياسة؛ لذا قال انمحى الشعر السياسي في هذا العصر. وفيما يبدو أن هذا الرأي يحملنا على التأويل أن طه حسين أراد ابتعاد الشاعر والمثقف عن السياسة والسلطة، وعدم الانصياع لها سلباً أو إيجاباً وفي الوقت نفسه نراه لا يسلط الضوء على أن الشعر للشعر وكان همه الأكبر الابتعاد عن السلطة، وهذا ما يجعله يقول إن العصر العباسي حدث فيه تغير إذ يقول "هناك تغير آخر وهو تغير شديد الخطورة في الحياة العقلية فقد اشتد الاختلاط بين الأمة العربية وغيرها من الأمم. فنشأت أجيال ورثت المزاج الفارسي والعربي (ج 2  ص22). 

taha hosain
هذا ما نراه عند طه حسين

لا ننسى أن العصر العباسي الأول والثاني كان عصراً ذهبياً لما فيه من ازدهار علمي وأدبي ودخول علوم جديدة كعلم الفلك والفلسفة والترجمة واستحداث في الشعر وإيقاعه وإغراضه وأرى أنه كان منطلقاً للحداثة العربية، لكن عميدنا كان يفضل أن تبقى القومية العربية خالصة من دون اشترك مع الآخر غير العربي فكان يرى فيه الخطورة. 
وحين تم تقسيم الشعر إلى أغراض تم تصنيف أبو نواس بأنه شاعر مجون وفسق كما عدّ النقّاد هذه الصفة لصيقة بالشاعر نفسه، وهذا ما نراه عند طه حسين. وكان أبونواس وأصحابه على فسقهم ومجونهم متدينين ويقيمون الصلاة، ولكنهم كانوا يعبثون كما يعبثون في غيره فقد قضوا الوقت الطويل عاكفين على الخمر (ج 2 ص 23).
وهذا الرأي نجده عند كثير من النقّاد حتى بلغ بالدكتور شوقي ضيف أن يقول عنه "ربما كان من دوافع إغراقه في المجون أنه كانت تؤذيه سيرة أمه في البصرة وأخذ يعب من الخمر لكي ينسى سيرة أمه". أنا لا أحاول أن أنفي هذه الآراء لكنني لا أقبلها قبولاً مطلقاً ولا اتفق معها؛ لأن الشاعر في ذلك العصر إذ اراد أن يشتهر عن طريق غرض شعري معين لذلك يسلك هذا المسلك، وإذا عدنا إلى باقي الشعراء نجدُ أبا تمام يشرب الخمر والشاعر بكر بن خارجه الذي بلغ به حدّ الإدمان ممّا أفسد عقله. وكان أبوالعتاهية يشرب في بداية شبابه ولا ننسى أن الخلفاء والقضاة يشربون الخمر في العصر العباسي، ويمكن العودة إلى "معجم الأدباء" فهناك قصة مشهورة عن هذا الجانب في الجزء (4 ص 166). 
ويختم طه حسين حديثه عن العصر بقوله "إنه عصر شك واستهتار أنكر العقل العربي قديمه ولم يشتد اطمئناناً لجديده". فيما يبدو أن العميد قد غفل عن مسألة مهمة، وهي الحداثة التي تعني أحداث قطيعة ابستمولوجية مع القديم، وكما أسلفتُ أن الحداثة العربية تمثلت في العصر العباسي، ولا ننسى أن أبا نواس يعدّ من كبار الشعراء العالم، وليس العرب، لأنه أوّل من خلق لغة المدينة مقابل لغة البادية في شعره. 
ومثل هكذا آراء قيلت سابقاً لا بد من العودة والوقوف عندها وتفكييها، لأنها قد استندت وفق أيديولوجية محددة، وهذا لا يعني التقليل من شأن أصحابها ولا سيما عميد الأدب طه حسين لكن لا نحملها على محمل القدسية أو الثبوت.