حرب أوكرانيا تنذر بأزمة غذاء عالمية وباضطرابات اجتماعية

غزو روسيا لأوكرانيا يُعيد رسم خارطة توزيع الغذاء والمجاعة في العالم فالدولتان من بين أكثر المنتجين والمصدرين عالميا للأغذية، وسط مخاوف من تبعات انهيار القوة الزراعية لكييف والقيود المفروضة على موسكو بسبب العقوبات.
هل يكون للقمح سعر جيوسياسي؟
ندرة الغذاء تهدد بانفجار اجتماعي في أكثر من دولة
الأسواق بالغت في رد فعلها لأن أوكرانيا قوة تصدير عظمى
الذعر من تدهور الأمن الغذائي سرعان ما استحوذ على العالم

باريس - أربك الغزو الروسي لأوكرانيا سلاسل إمدادات الغذاء للعالم (القمح والذرة وزيت عباد الشمس) وهو أمر كان متوقعا على نطاق واسع بالنظر لأهمية الدولتين إنتاجا وتصديرا للقمح والعديد من المواد الغذائية، لتعيد الحرب التي لا تبدو لها نهاية قريبة رسم خارطة توزيع القمح والجوع عالميا.  

وانطلق سباق محموم لتخزين الحبوب ستكون له "عواقب على الجميع" فالانهيار المخيف للقوة الزراعية العظمى التي تمثلها أوكرانيا يطرح مسألة الأمن الغذائي العالمي، من البحر الأبيض المتوسط إلى حدود آسيا، كما يقول الباحث الفرنسي سيباستيان أبيس.

وقالت مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا إن "الحرب في أوكرانيا تعني الجوع في إفريقيا"، بينما حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من "إعصار من المجاعات" يمكن أن يضرب العديد من البلدان الضعيفة في الأصل.

ويؤكد سيباستيان أبيس أن "انعدام الأمن الغذائي يُفرض أولا على الأوكرانيين إذ تضطر عائلات كثيرة إلى الفرار فيما يواجه الباقون مشكلة توفير الطعام بينما يتطاير الرصاص من حولهم".

لكن الذعر سرعان ما استحوذ على العالم. يقول أبيس "لقد بالغت الأسواق في رد فعلها لأن أوكرانيا قوة تصدير عظمى، فقد ارتفعت الأسعار فيما يتساءل الجميع من سيكون قادرا على تعويض الإمدادات الأوكرانية من القمح أو الذرة أو زيت عباد الشمس" الذي تؤمن كييف 50 بالمئة منه في المبادلات التجارية العالمية.

وبعض الدول مثل مصر التي تستورد 90 بالمئة من قمحها من روسيا وأوكرانيا، خفضت توقعاتها للواردات أو بدأت في البحث عن مصادر أخرى. و"اختارت بلدان أخرى مثل الأرجنتين، الأمن الغذائي الوطني من خلال اتخاذ قرار بتعليق صادراتها" من زيت فول الصويا الذي تعد أكبر مصدر له في العالم.

وعلى المدى المتوسط، تُطرح عدة أسئلة وفق الباحث، "ماذا سيحدث إذا وقعت الذرة الأوكرانية المخزنة في أيدي الروس؟ هل سنتمكن من شرائها تحت طائلة العقوبات؟ هل سيتم بيع هذه المنتجات تحت العلم الروسي أم الأوكراني؟

وعلى نطاق أوسع "هل يمكن أن تستمر المنتجات ذات المنشأ الروسي في الانتشار؟ بعض البلدان، بالنظر إلى احتياجاتها، ستستمر في شرائها".

وفي إشارة إلى أن روسيا نفسها "قيَّدت صادراتها من الحبوب إلى أوراسيا" التي تضم كازاخستان وبيلاروسيا وأرمينيا وقرغيزستان، يتساءل الباحث عن وجهة هذه المنتجات، مشيرا إلى أن "الصين تواجه موجة جفاف كبيرة وستضطر إلى زيادة وارداتها".

ومن الآن، يمثل ارتفاع الأسعار مصدر قلق كبير لجميع البلدان المستوردة من بينها ليبيا "التي يأتي ثلثا قمحها من روسيا وأوكرانيا"، وإندونيسيا "ثاني أكبر مشتر في العالم"، وإثيوبيا "التي تعتمد أكثر من 30 بالمئة من وارداتها على روسيا وكذلك باكستان وتركيا وإريتريا".

ويقول إن "طن القمح يباع بما بين 380 و440 يورو وهذا لا يمكن تحمله بالنسبة للبلدان المستوردة. هل يمكن أن يكون هناك 'سعر جيوسياسي' للقمح لبعض البلدان، لتفادي وقوعها في حالة عدم استقرار سياسي كبيرة؟ الولايات المتحدة تفكر في الأمر".

والأزمة حسب تعبيره "ستؤثر على الجميع "في فرنسا، يمكن أن نشهد اضطرابات اجتماعية بسبب انعدام الأمن هذا. وفي ظل حكم دكتاتوري، لا ينزل الناس للتظاهر من دون مخاطرة. ولكن عندما تكون المعدة فارغة، لا يعود لديهم الكثير ليخسروه".

وبينما تجاوزت الأسعار العالمية المستوى القياسي لعام 2008 الذي أدى إلى اضطرابات بسبب الغذاء، يشير الباحث إلى أنه "في العراق نظمت تظاهرات طوال عطلة نهاية الأسبوع ضد ارتفاع الأسعار".

وحذرت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو) من أن ثمانية إلى ثلاثة عشر مليون شخص إضافيين قد يعانون من نقص التغذية في العالم إذا أوقفت الصادرات الغذائية من أوكرانيا وروسيا مدة طويلة، مقدرة أن المساحات المزروعة بالذرة وعباد الشمس "ستنخفض بنسبة 30 بالمئة" هذا الربيع في أوكرانيا.

واختتم سيباستيان أبيس بالقول "نحن في أزمة عالمية. حتى لو توقفت الحرب غدا، ستكون هناك عواقب"، لا سيما بسبب تدمير جزء من البنية التحتية اللوجستية في أوكرانيا، محذرا "كلما طال أمد الحرب، ازداد عدم الاستقرار العالمي حدة. وإذا واجهنا غدا خللا مناخيا كبيرا بالإضافة إلى ذلك - مثل جفاف شديد آخر في أميركا الشمالية أو أمطار غزيرة في أستراليا - فسيكون ذلك مأسويا".