روسيا تتخلى عن غزو كييف وتقصر عملياتها على شرق أوكرانيا

الروس يقلصون من سقف طموحاتهم لغزو أوكرانيا، معلنين أن التركيز سيكون على الأراضي التي يطالب بها الانفصاليون المدعومون من موسكو.
صواريخ روسية تستهدف مركز قيادة القوات الجوية الأوكرانية
روسيا تعدل بوصلة الهجوم صوب شرق أوكرانيا فقط
أكبر شركة صينية لتكرير النفط تعلق المحادثات مع روسيا خوفا من العقوبات

بوتشا/لفيف (أوكرانيا) - أعلن الجيش الروسي اليوم الجمعة أنه سيركز عملياته على ما وصفه بـ"تحرير" شرق أوكرانيا في إشارة إلى المناطق الانفصالية الموالية لروسيا وفي تعديل على ما يبدو لخططه العسكرية.

وبهذا الإعلان تكون روسيا قد قلّصت من سقف طموحاتها للغزو أوكرانيا، مركزة على الأراضي التي يطالب بها الانفصاليون المدعومون من موسكو، في الوقت الذي واصلت فيه القوات الأوكرانية هجوما لاستعادة بلدات على مشارف العاصمة كييف.

وفي أول إشارة قوية على تأثير العقوبات الغربية المفروضة على موسكو، قالت مصادر إن مجموعة سينوبك الصينية التي تديرها الدولة وهي أكبر شركة لتكرير النفط في آسيا، علقت المحادثات بشأن استثمار كبير في البتروكيماويات ومشروع لتسويق الغاز الروسي.

وعلى مدى شهر منذ بدأ الروس غزوهم لأوكرانيا، فشلت قواتهم في السيطرة على أي مدينة كبرى. وواجه هجومهم مقاومة شديدة من قوات الرئيس فولوديمير زيلينسكي، وتوقفوا عند بوابات كييف.

وربما يأتي تعديل الروس لتكتيكاتهم وحصر العمليات في شرق أوكرانيا بسبب تكبد الجيش الروسي خسائر لم يكن يتوقعها أو ربما أراد تعزيز موقفه التفاوضي حول المناطق الانفصالية التي يدعمها.

وفي وقت سابق قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في رحلة العودة من بروكسل حيث شارك في قمة لقادة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، إنه يجب تشجيع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على خروج مشرف.

وأضاف أنه ما يزال من الممكن التوصل إلى حل وسط ينهي النزاع يشمل تخلي أوكرانيا عن طلب الانضمام لحلف شمال الأطلسي ونزع جزئي لأسلحتها، مضيفا أن الخلافات بين موسكو وكييف حاليا تتركز على الأراضي، في إشارة إلى المناطق الانفصالية الموالية لروسيا.

وتجمدت خطوط القتال بالقرب من كييف منذ أسابيع مع وجود رتلين كبيرين من المدرعات الروسية عالقين إلى الشمال الغربي وإلى الشرق من العاصمة. وتحدث تقرير للمخابرات البريطانية عن هجوم أوكراني مضاد دفع الروس إلى التراجع في الشرق.

وأشار التقرير إلى أن "الهجمات المضادة الأوكرانية وتراجع القوات الروسية عن خطوط الإمداد المنهكة أتاح لأوكرانيا إعادة السيطرة على البلدات والمواقع الدفاعية حتى 35 كيلومترا شرقي كييف". وأمدت بريطانيا أوكرانيا بأسلحة وتدريبات عسكرية.

وفي إعلان يشير في ما يبدو إلى تقليص الأهداف، قالت وزارة الدفاع الروسية إن المرحلة الأولى من عمليتها اكتملت تقريبا وإنها ستركز الآن على "تحرير" منطقة دونباس الشرقية الانفصالية.

وقال سيرغي رودسكوي رئيس إدارة العمليات الرئيسية في هيئة الأركان العامة الروسية "تم تقليص القدرات القتالية للقوات المسلحة الأوكرانية بشكل كبير مما يجعل من الممكن تركيز جهودنا الأساسية على تحقيق الهدف الرئيسي وهو تحرير دونباس".

ووصف مصدر دبلوماسي كبير في موسكو الإعلان بأنه تمهيد محتمل للتراجع. وقال "أهدافهم من الحرب أكبر بكثير من دونباس، الأمر الذي جعل قوتهم مقسمة في هجمات تشنها قوات غير مستعدة ويشوبها سوء التنسيق".

وقالت الأمم المتحدة إنها تأكدت من مقتل 1081 مدنيا وإصابة 1707 بجروح في أوكرانيا منذ بدء الغزو، مضيفة أن الحصيلة الحقيقية أكبر على الأرجح.

وأفادت وكالة إنترفاكس للأنباء نقلا عن وزارة الدفاع الروسية بأن 1351 جنديا روسيا قتلوا و3825 أصيبوا بجروح. وتقول أوكرانيا إن عدد القتلى من الجنود الروس يبلغ 15 ألفا، بينما سبق للرئيس الأوكراني ان تحدث عن مقتل 18 ألف جندي روسي.

وقال فولوديمير بوريسينكو رئيس بلدية بوريسبول وهي الضاحية الشرقية التي يقع فيها مطار كييف الرئيسي، إن 20 ألف مدني غادروا المنطقة، في استجابة لدعوة للإخلاء كي يتسنى للقوات الأوكرانية شن هجوم مضاد.

وأضاف أن القوات الأوكرانية استعادت السيطرة على قرية قريبة في اليوم السابق، وكانت ستمضي قدما لكنها توقفت خشية تعريض المدنيين للخطر.

وعلى الجبهة الرئيسية الأخرى خارج كييف، إلى الشمال الغربي من العاصمة، تحاول القوات الأوكرانية تطويق القوات الروسية في ضواحي إيربين وبوتشا وهوستوميل التي تحولت إلى أنقاض بسبب القتال العنيف.

وفي بوتشا على بعد 25 كيلومترا شمال غربي كييف، كانت مجموعة صغيرة من الجنود الأوكرانيين المسلحين بصواريخ مضادة للدبابات يحفرون الخنادق. وقال أندري إنه تطوّع فور بدء الغزو.

وأضاف "طلبت من زوجتي أن تحمل الأطفال وتختبئ في القبو وذهبت إلى مركز التجنيد وانضممت إلى وحدتي على الفور".

وتطلق موسكو على تحركاتها في أوكرانيا وصف "عملية عسكرية خاصة" لنزع السلاح و"القضاء على النازية" في أوكرانيا. وتقول كييف والغرب إن بوتين أشعل حربا عدوانية لا مبرر لها.

ولعجزها عن الاستيلاء على المدن، لجأت روسيا إلى قصفها بالمدفعية والغارات الجوية. وكان ميناء ماريوبول في الشرق هو الأشد تضررا، وهو عبارة عن مدينة يبلغ عدد سكانها 400 ألف نسمة.

وماريوبول هي أكبر مدينة خاضعة لسيطرة أوكرانيا في المنطقة التي تطالب روسيا بالتنازل عنها للانفصاليين. وهناك اعتقاد بأنه لا يزال هناك عشرات الآلاف من السكان محاصرين دون طعام أو دواء أو كهرباء أو تدفئة، فيما تحولت المدينة من حولهم إلى أطلال.

وقدم مجلس مدينة ماريوبول لأول مرة تقديرا لعدد قتلى قصف المسرح الرئيسي بالمدينة يوم 16 مارس/آذار قائلا إن الشهود يقولون الآن إن 300 شخص لقوا حتفهم من بين مئات المختبئين في قبو المبنى. وتنفي روسيا أي مسؤولية عن قصف المسرح.

وتقول الأمم المتحدة إنها تراجع تقارير عن مقابر جماعية في ماريوبول من بينها مقبرة تضم مئتي جثة. كما تعرضت مدن تشرنيهيف وخاركيف وسومي في شرق البلاد لقصف مدمر. وقال حاكم تشرنيهيف إن القوات الروسية تحاصر المدينة فعليا.

وأعلن الجيش الأوكراني أن صواريخ روسية بعيدة المدى استهدفت الجمعة مركز قيادة القوات الجوية الأوكرانية في فينيتسيا بوسط البلاد، متسببة بـ"خسائر جسيمة".

وقالت قيادة القوات الجوية عبر تطبيق تلغرام إن "الروس أطلقوا ستة صواريخ بعيدة المدى أسقط الدفاع الجوي بعضها وأصاب البعض الآخر مباني عدة محدثا خسائر جسيمة".

وأضاف المصدر أن "نتائج هذه الضربة الصاروخية للمحتلين يتم تقييمها"، وأرفق الإعلان بصورة تظهر فقط جزءا محترقا من مبنى اسمنتي.

وكان مسؤول كبير في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) قد قال الاثنين إن الطيران وأنظمة الدفاع الجوي صدت حتى الآن محاولات الجيش الروسي للسيطرة على الأجواء الأوكرانية التي دافع الطيارون الأوكرانيون عنها "ببراعة كبيرة".

وضاعفت روسيا عملياتها الجوية والبحرية في مواجهة مقاومة القوات الأوكرانية، بحسب المسؤول الأميركي، لكن هذه العمليات لا تتجلى في قتال جوي، إذ يميل سلاح الجو الروسي إلى إطلاق صواريخ جو - أرض على أهداف أوكرانية من المجال الجوي الروسي أو البيلاروسي.

وفي خاركيف قال مسؤولون إن القصف أودى بحياة ستة أشخاص في موقع لتوزيع المساعدات. وأظهر مقطع مصور انفجارا يهز مرآب للسيارات كان عشرات الأشخاص يصطفون فيه في طابور.

وعزلت العقوبات الغربية روسيا عن التجارة العالمية إلى درجة لم تحدث من قبل في مواجهة اقتصاد كبير.

وحذرت موسكو من أن هناك أياما فقط أمام تحصيل قيمة صادرات الغاز لأوروبا التي تعتمد عليه بشدة بالروبل مما أربك التجار إزاء كيفية التعامل مع العملة الروسية.

والصين هي الدولة الأكبر التي لم تندد بالغزو الروسي والتي عبرت مرارا عن رفضها للعقوبات. وكان تقرير رويترز عن أن شركة سينوبك الصينية علقت مناقشات عن استثمارات يمكن أن تصل إلى 500 مليون دولار في روسيا أول دليل ملموس على أن العقوبات تمثل عائقا أمام التجارة بين موسكو وبكين.

وأصرت الصين على أنها ستواصل علاقاتها التجارية مع روسي، لكنها تضغط من وراء ستار على الشركات الصينية من أجل التحرك بحذر.

وقال مسؤول تنفيذي في شركة نفطية صينية مملوكة للدولة "الشركات ستتبع بشكل صارم السياسة الخارجية الصينية في هذه الأزمة... لا مجال هناك من أي نوع لأن تتخذ الشركات أي مبادرات في ما يتعلق بالاستثمارات الجديدة".