روسيا تراوح بين التفاوض والضغط العسكري على أوكرانيا

مع انتهاء المفاوضات بين الوفدين الروسي والأوكراني في اسطنبول والتي أشاعت التفاؤل بإمكانية وقف إطلاق النار، القوات الروسية تعيد تجميع قواتها في محوري كييف وتشيرنيغوف استعدادا لاستئناف عملياتها بينما استمرت في قصف ماريوبول ليلا.
أوكرانيا تبدي استعدادا للوفاء بالمطالب الروسية الأساسية
القوات الروسية تواصل التركيز على تطويق القوات الأوكرانية في الشرق
تشكيك أوكراني وغربي في التزام روسيا بتقليص أنشطتها العسكرية في محيط كييف

موسكو/كييف - تستعد روسيا لاستئناف قصف عدد من المدن الأوكرانية بعد هدوء نسبي رافق عملية المفاوضات التي جرت في تركيا انتهت أمس الثلاثاء، حيث بدأت في إعادة تجميع قواتها المشاركة في الغزو عند محوري كييف وتشيرنيغوف، وفق ما أعلنت الأربعاء وزارة الدفاع الروسية، بينما قال كبير المفاوضين الروس فلاديمير ميدينسكي إن كييف أبدت استعدادا للوفاء بالمطالب الروسية الأساسية، لكن موقف موسكو بشأن منطقة دونباس وشبه جزيرة القرم التي ضمتها لا يزال دون تغيير.

وقال المتحدث باسم وزارة الدفاع الأوكرانية أولكسندر موتوزيانيك اليوم الأربعاء إن القوات الروسية في أوكرانيا تعيد تجميع صفوفها وتستعد لاستئناف العمليات الهجومية، مضيفا أن الجهود الروسية الرئيسية "تتركز على تطويق القوات الأوكرانية في شرق أوكرانيا".

كما أشار إلى أن  أن روسيا لا تزال تحاول السيطرة على مدينة ماريوبول الساحلية في الجنوب وبلدتي بوباسنا وروبيجني.

وتابع "تستعد روسيا لاستئناف العمليات الهجومية" وإن قيادة القوات المسلحة الأوكرانية رصدت تحركات للقوات الروسية إلى خارج منطقتي كييف وتشيرنيغوف، لكن لا تعتبر هذا انسحابا شاملا.

وقال المتحدث باسم وزارة الدفاع الروسية إيغور كوناشينكوف في إحاطة قدمها الأربعاء، إن هدف المرحلة الأولى من العملية الروسية في أوكرانيا كان يكمن في "إجبار العدو على حشد قواته للحفاظ على السيطرة على مدن كبرى ومحاصرة هذه القوات في ميادين القتال دون اقتحام المدن بغية تفادي سقوط خسائر بين المدنيين وتكبيد تشكيلات نظام كييف هزيمة ستمنعه من استخدام هذه القوات في المحور الرئيسي لعمليات قواتنا المسلحة، أي منطقة دونباس"، وفق ما نقلت عنه وكالات أنباء روسية وقناة روسيا اليوم الناطقة بالعربية.

ويأتي الإعلان الروسي بينما اتهمت السلطات الأوكرانية الأربعاء روسيا بقصف مدينة تشيرنيغوف ومركز للصليب الأحمر في ماريوبول رغم إعلان موسكو عن خفض الأنشطة العسكرية وهو ما بدد الآمال بتسجيل تقدم حاسم إثر مفاوضات اسطنبول.

وقالت أمينة المظالم الأوكرانية ليودميلا دنيسوفا في بيان "في ماريوبول، استهدف المحتلون مبنى تابعا للجنة الدولية للصليب الأحمر"، مضيفة أن المبنى استُهدف بغارات جوية وبالمدفعية رغم أن عليه علامة الصليب الأحمر "وذلك يعني وجود جرحى وممتلكات مدنية أو إغاثية" بداخله، لكنها قالت إنه ليس لديها معلومات عن ضحايا محتملين.

وفي الشمال، قال فياتشيسلاف تشاوس حاكم المنطقة التي تضم تشيرنيغوف إن المدينة "تعرضت للقصف طوال الليل" بالمدفعية والطيران موضحا أن بنى تحتية مدنية دمرت وأن المدينة لا تزال بدون كهرباء ولا ماء.

وبعد ماريوبول في الجنوب، تتعرض تشيرنيغوف لأعنف قصف منذ بدء الحرب في 24 فبراير/شباط. وكانت المدينة تعد 280 ألف نسمة قبل الحرب.

وفي ما يبدو عودة عما أعلنه الروس إثر مفاوضات اسطنبول، قال الناطق باسم الرئاسة الروسية ديمتري بيسكوف للصحافيين "في الوقت الراهن، لا يمكننا الإشارة إلى أي نتائج واعدة جدا أو تقدم من أي نوع. ما زال هناك الكثير من العمل".

وشدد على أنه "في الوقت الحالي، لا يمكننا الحديث عن التقدم ولن نفعل ذلك"، مشيرا إلى أنه "ليس هناك تقدم" أيضا في ما يتعلق بتنظيم لقاء محتمل بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.

وقوبل تصريح نائب وزير الدفاع الروسي ألكسندر فومين بالتشكيك من البداية حين أعلن أن موسكو ستقلص بشكل جذري نشاطها العسكري على جبهتي كييف وتشيرنيغوف، إذ قالت هيئة الأركان العامة الأوكرانية إن "ما يسمى انسحاب القوات، ربما يكون تناوبا بين وحدات فردية بهدف خداع القيادة العسكرية للقوات الأوكرانية".

وقالت المتحدثة باسم الخارجية الفرنسية آن كلير لوجندر "يجب أن نكون حذرين للغاية لدى تقييم تقدم المفاوضات"، فموسكو قد تستخدم برأيها المفاوضات "لكسب الوقت" وهو ما عبر عنه أيضا المتحدث باسم وزارة الدفاع الأميركية جون كيربي الذي اعتبر الأمر مجرد "إعادة تموضع" وليس "انسحابا حقيقيا".

وفي كييف والمناطق المحيطة بها، دوت صفارات الإنذار عدة مرات خلال الليل. وقال حاكم المنطقة أولاكساندر بافليوك على تلغرام "في الساعات الأربع والعشرين الماضية، قصف الروس مناطق سكنية وبنية تحتية مدنية في منطقة كييف 30 مرة" لا سيما في الشمال.

وكان دوي الانفجارات ما زال يُسمع صباح الأربعاء من جهة ايربين الواقعة في الضاحية الشمالية الغربية لكييف والتي قال رئيس بلديتها اولكسندر ماركوشين "اعتقد أن ما بين مئتين إلى 300 شخص قضوا ويا للأسف" فيها.

وقالت الرئاسة في بيان "منذ المساء وطوال الليل، دوت صافرات الإنذار من هجمات جوية في عموم أراضي أوكرانيا، لكن الليل كان هادئا في غالبية المناطق".

كما استعاد الجيش الأوكراني السيطرة على طريق سريع استراتيجي يربط بين خاركيف وتشوغويف في شرق أوكرانيا.

وقال ضابط استخبارات اوكراني "هناك جثث روسية منتشرة في كل مكان. كانت المعارك ضارية، أحيانا من على بعد عشرة أمتار. لقد استمرت قرابة ثلاثة أيام"، مضيفا أن "الجنود الروس كانوا منهكين"، لا سيما "الشباب الذين كانوا يتضورون جوعا: كانوا ينهبون المنازل".

وأعلنت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في جنيف أنه خلال خمسة أسابيع من الحرب، أجبر أكثر من 4 ملايين أوكراني على الفرار من بلادهم. لم تشهد أوروبا مثل هذه الموجات من اللاجئين منذ الحرب العالمية الثانية.

في الإجمال، اضطر أكثر من عشرة ملايين شخص، أي أكثر من ربع السكان، إلى مغادرة منازلهم. ووفقا لمفوضية اللاجئين ، خلف الصراع 1189 قتيلا مدنيا و1901 جريح.

وأعلن برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة أنه يقدم مساعدات غذائية طارئة إلى مليون شخص في أوكرانيا.

وفي ماريوبول، ما زال نحو 160 ألف مدني عالقين تحت القصف ويواجهون "كارثة إنسانية" فيما يختبئون في الملاجئ بدون كهرباء وبلا طعام ولا ماء.

وقال مجلس بلدية ماريوبول الأربعاء إن الروس نقلوا مرضى وطاقم مستشفى توليد بشكل قسري إلى روسيا من المدينة المحاصرة. وكتبت البلدية على تلغرام "تم نقل أكثر من 70 شخصا، نساء وأفراد من الطاقم الطبي، بالقوة".

وقالت البلدية إنه تم إجلاء أكثر من 20 ألفا من ماريوبول "رغما عن إرادتهم" إلى روسيا وإن الروس صادروا أوراقهم وأعادوا إرسالهم إلى "مدن روسية بعيدة".

وضمن مبادرة مشتركة مع تركيا واليونان، طلب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إجلاء سكان المدينة بشكل منظم، لكن فلاديمير بوتين اشترط لذلك أن "يوقف المقاتلون القوميون الأوكرانيون كل أشكال المقاومة ويلقوا بأسلحتهم"، بحسب بيان صدر عن الكرملين مساء الثلاثاء.

وفي شمال شرق البلاد، استعادت القوات الأوكرانية مدينة تروستيانتس التي كان عدد سكانها قبل الحرب 20 ألفا، في نهاية الأسبوع الماضي، فبعد شهر من احتلالها، رحل الروس تقريبا من دون قتال.

وقال بافلو أحد سكانها إن "القوات الروسية وصلت إلى المدينة في اليوم الثاني من الحرب" ثم توغل رتل لمسافة عشرات الكيلومترات إلى الجنوب الغربي حيث واجه مقاومة أوكرانية شرسة، كما يتضح من هياكل الدبابات المتفحمة.

وما زال الوضع حول المحطات النووية الأوكرانية يثير القلق أيضا. وكتب المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافايل غروسي الذي زار محطة كونستانتينوفكا الأربعاء على تويتر "من الضروري أن نكون على الأرض لتقديم دعم فعال في هذه الفترة شديدة الصعوبة".

ومنذ بدء الهجوم الروسي، حذر غروسي باستمرار من مخاطر هذه الحرب وهي الأولى في بلد لديه عدد كبير من المفاعلات النووية فضلا عن العديد من مستودعات النفايات النووية، فقد قال الثلاثاء "لقد تجنبنا بالفعل عدة حوادث بفارق ضئيل. لا يمكننا إضاعة مزيد من الوقت".

وقالت نائبة رئيس الوزراء الأوكراني إيرينا فيريشوك إن "المحتلين الروس أقاموا مكبا ضخما للذخيرة في المنطقة المحظورة حول تشيرنوبيل. يمكن أن تنفجر في أي وقت وتسبب كارثة بيئية هائلة".