حرب أوكرانيا تزلزل الاقتصاد العالمي
واشنطن - حذّر صندوق النقد الدولي الثلاثاء من أنّ تداعيات الحرب في أوكرانيا على اقتصاد العالم هي أشبه بزلزال، مخفّضا بشكل حادّ تقديراته لنمو الاقتصاد العالمي في 2022 ومتوقعا استمرار التضخّم ولا سيّما في الاقتصادات الناشئة.
وشبّه بيار-أوليفييه غورينشا، كبير الاقتصاديين المعين حديثا في الصندوق، هذه التداعيات بـ"موجات زلزالية مصدرها مركز الزلزال" الذي ضرب العالم في 24 فبراير/شباط مع بدء الغزو الروسي لأوكرانيا.
ووفقا للتوقعات المحدّثة التي نشرها الصندوق بمناسبة اجتماعات الربيع فإنّ الاقتصاد العالمي سينمو في 2022 بنسبة 3.6 بالمئة مقابل 4.4 بالمئة توقّعها الصندوق في يناير/كانون الثاني.
وقال غورينشا خلال مؤتمر صحافي إنّ النموّ يمكن أن يتباطأ أكثر إذا اجتمعت عوامل ثلاثة هي "تشديد العقوبات المفروضة على روسيا وتراجع ثقة المستهلكين وتقلّب في الأسواق المالية".
وفي تقريرهم قال اقتصاديو صندوق النقد إنّه إذا كانت "الدول المتضرّرة مباشرة من النزاع والعقوبات هي أوكرانيا وروسيا وبيلاروس" فإنّ "التداعيات الدولية تمتدّ إلى أبعد من ذلك بكثير ولا سيّما إلى أوروبا، من خلال أسعار المواد الأساسية والعلاقات المالية والتجارية وإمدادات الغذاء والطاقة والتداعيات الإنسانية".
وأوضح التقرير أنّ السبب في هذه المروحة الواسعة من التداعيات هو أنّ روسيا وأوكرانيا هما من أهم مورّدي الحبوب لدول كثيرة وموسكو هي أيضا مصدّر أساسي للطاقة إلى أوروبا.
ومن هنا عمدت المؤسسة المالية الدولية التي تتّخذ من واشنطن مقرّا، إلى خفض توقعاتها الاقتصادية للغالبية الساحقة من الدول.
ووفقا للتوقعات الجديدة فإنّ إجمالي الناتج المحلّي في الولايات المتّحدة، أكبر اقتصاد في العالم، سينمو هذا العام بنسبة 3.7 بالمئة (- 0.3 نقطة بالمقارنة مع التوقعات السابقة).
وقال التقرير إنّ هذه التوقعات الجديدة تأخذ في الاعتبار ما أقدمت عليه الولايات المتحدة من "وقف بأسرع مما كان متوقعا للدعم النقدي لاحتواء التضخّم وكذلك تأثير نمو أضعف لشركائها التجاريين بسبب الحرب" في أوكرانيا.
أما الصين ثاني قوة اقتصادية في العالم، فيعاني اقتصادها من جهته من سياسة عدم التساهل بتاتا مع جائحة كوفيد التي أدّت إلى فرض قيود عديدة، بما في ذلك في شنغهاي العاصمة الاقتصادية للبلاد.
ومن هنا توقّع الصندوق أن ينخفض النمو الاقتصادي في الصين إلى 4.4 بالمئة (-0.4 نقطة) بعدما سجّل العام الماضي 8.1 بالمئة.
وإذا كان النمو المتوقع في إجمالي الناتج المحلّي في أكبر اقتصادين في العالم سيتباطأ ببضعة أعشار النقاط فإنّ التراجع سيكون أكبر بكثير في دول منطقة اليورو: + 2.8 بالمئة مقابل +3.9 بالمئة في التوقعات السابقة في يناير/كانون الثاني.
وبحسب التوقّعات المحدّثة للصندوق فإنّ المحرّك الاقتصادي للمنطقة أي ألمانيا التي تعتمد بشكل كبير على روسيا في إمدادات الطاقة، سيتباطأ النمو الاقتصادي فيها بنسبة 1.7 نقطة إلى 2.1 بالمئة.
وعزا الصندوق هذا التراجع الكبير إلى أنّ الألمان "هم مستوردون للطاقة وبالتالي فإنّ ارتفاع الأسعار العالمية يمثّل صدمة سلبية".
وفي فرنسا يتوقّع الصندوق تراجع النمو إلى 2.9 بالمئة أما في إيطاليا فالنسبة الجديدة المتوقعة هي 2.3 بالمئة. أما روسيا فسيشهد إجمالي ناتجها المحلّي هذا العام انكماشا بنسبة ضخمة تناهز 8.5 بالمئة بحسب التقرير.
وإذا كانت هذه هي حال روسيا فإنّ حال أوكرانيا أسوأ بأضعاف، إذ توقّع الصندوق أن يتقلّص إجمالي الناتج المحلّي لكييف هذا العام بنسبة تصل إلى 35 بالمئة، بالنظر إلى الدمار الهائل الذي أدّى لفرار ملايين السكّان. وحتى إذا توقّفت الحرب في أوكرانيا اليوم فإنّ البلاد ستحتاج إلى سنوات عديدة للتعافي من هذا النزاع.
وفي أنحاء أخرى من العالم، يبدو الوضع جيّدا بالنسبة إلى الدول المصدّرة للنفط لأنها ستستفيد من ارتفاع الأسعار. ومن هنا توقّع الصندوق أن ينمو إجمالي الناتج المحلّي للمملكة العربية السعودية بنسبة 7.6 بالمئة بزيادة 2.8 نقطة بالمقارنة مع يناير/كانون الثاني الماضي.
ولفت صندوق النقد الدولي في تقريره إلى أنّ ما زاد من تأثير الحرب في أوكرانيا على الاقتصاد العالمي هو أنّها حدثت عندما لم يكن الاقتصاد العالمي قد تعافى بالكامل من جائحة كوفيد.
وأدّت الحرب أيضا إلى زيادة كبيرة جدا في أسعار السلع. ويتوقّع صندوق النقد الدولي في تقريره أن تبلغ نسبة التضخّم هذا العام في الدول المتقدّمة 5.7 بالمئة (+1.8 نقطة) و8.7 بالمئة (+2.8 نقطة) في الاقتصادات الناشئة والنامية.
وإذا كان التقرير يتوقّع أن تصل الأسعار إلى ذروتها هذا العام، فإنّ هذا لا يعني أنّ الوضع في 2023 سيكون ورديا، إذ يتوقّع الصندوق أن يظلّ التضخّم مرتفعا كثيرا في الدول النامية والناشئة (6.5 بالمئة) وأن يظلّ أعلى من أهداف البنوك المركزية في الدول المتقدّمة.
كما خفّض صندوق النقد توقّعاته للنمو العالمي لعام 2023 بزيادة بنحو 3.6 بالمئة أي أقلّ بـ0.2 نقطة من التوقعات السابقة. وعزا السبب في ذلك إلى كثرة السحب السوداء في الأفق. وقال التقرير إنّه "بشكل عام، فإنّ المخاطر مماثلة للوضع في بداية الجائحة".
وبالنسبة للصندوق، يتمثّل الخطر الأكبر بأن تتواصل الحرب في أوكرانيا ويطول أمدها، الأمر الذي سيؤدّي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية وتشديد العقوبات.
وحذّر التقرير كذلك من خطر أن يؤدّي ارتفاع الأسعار إلى إثارة احتجاجات اجتماعية يمكن أن تتفاقم خصوصا في الدول التي تستضيف أعدادا كبيرة من اللاجئين. وبالإضافة إلى ذلك، لفت صندوق النقد الدولي في تقريره إلى أنّ "مستويات المديونية القياسية الناجمة عن الجائحة تجعل الأسواق والاقتصادات النامية أكثر عرضة لارتفاع أسعار الفائدة".
وعلاوة على ذلك، لا يستبعد التقرير عودة الجائحة إلى التفشّي. كما حذّر من أنّ "الشرخ في العلاقات الدولية يمكن أن يؤدّي إلى تقويض الثقة والتعاون الضروريين لمواجهة التحدّيات طويلة الأجل ولا سيّما التغيّر المناخي".
وفي لندن تراجعت أسعار النفط بأكثر من 5 بالمئة الثلاثاء بعيد نشر صندوق النقد هذه الأرقام، إذ يخشى المستثمرون من أن يؤدّي التباطؤ المتوقع إلى تراجع الطلب على الخام.