احتجاجات الخريجين تعكس أزمة منظومة التعليم العراقي

فجوة كبيرة بين عدد الخريجين وفرص العمل المتاحة تكشف مشكلة أعمق تتعلق بتخريج أعداد كبيرة من الجامعات دون توفير البنية التحتية الاقتصادية التي تستوعبهم.

بغداد – أصيب العشرات من خريجي ذوي المهن الطبية خلال احتجاج نظموه الاثنين أمام مقر وزارة المالية وسط بغداد للمطالبة بالتعيين، بعد فشل المحاولات الحكومية لحل مشكلتهم، التي تعتبر جزء من أزمة عامة في منظومة التعليم العراقي تتعلق بالخريجين الجدد وعجز سوق العمل عن احتوائهم، ومالبثت أن انتقلت المظاهرات إلى الموصل مركز محافظة نينوى للمطالبة بشمولهم بالتعيينات على الملاك الحكومي.

ويتظاهر المحتجون وهم من خريجي المهن الصحية لعام 2023 على عدم شمولهم بالتعيين المركزي. وتشير المعلومات إلى أن وزارتي المالية والصحة قامتا بتعيين 29 ألف خريج فقط من أصل 60 ألفا. فيما تؤكد وزارة الصحة عدم حاجتها للكثير من التخصصات، خاصة في مجالات طب الأسنان والصيدلة وتقنيي المختبرات والمحللين.

وتكشف هذه الأرقام عن فجوة كبيرة بين عدد الخريجين وفرص العمل المتاحة، وهي أزمة تعكس مشكلة أعمق تتعلق بتخريج أعداد كبيرة من الجامعات دون توفير البنية التحتية الاقتصادية التي تستوعبهم، وقد تحدث الكثير من الخريجيين على مواقع التواصل الاجتماعي عن غبن في التعيينات.

وانتشرت قوات حفظ القانون بشكل مكثف بالقرب من وزارة المالية، حيث سجلت أكثر من 22 إصابة بين المتظاهرين نتيجة الاحتكاك وعمليات الكر والفر مع قوات حفظ القانون.

واستخدمت القوات العصا الكهربائية والدفع، بينما رد المتظاهرون بالحجارة، ووصل قائد عمليات بغداد الى مكان التظاهرة للتهدئة والسيطرة على الوضع. بينما أصدرت وزارة الداخلية توضيحاً بشأن أحداث التظاهرة أمام وزارة المالية، وأشارت الى أنه تمت السيطرة على الموقف وعادت الأوضاع الى ما كانت عليه من استقرار وهدوء.

وذكرت الوزارة في بيان أنه "أثناء قيام بعض المتظاهرين بغلق أبواب الوزارة والطرق، شرعت الأجهزة الأمنية بواجبها وفق السياقات القانونية بمنع هؤلاء الأشخاص من غلقها".

وأضافت أنه "تم نشر قطعات الأجهزة الأمنية لسلامة المتظاهرين بعد أن حصلت أعمال شغب أدت الى إصابة عدد من القوة المنفذة للواجب".

وكان رئيس لجنة الصحة والبيئة النيابية، ماجد شنكالي قد تناول الأزمة في تصريح بأن لجنته قدمت مقترح التعديل الرابع لقانون التدرج الطبي رقم 6 لسنة 2000.

وبين أن من أهم بنود هذا المقترح "أن يكون التعيين حسب الحاجة في المؤسسات الصحية التابعة لوزارة الصحة للطلاب الذين سيلتحقون بالدراسة في العام الدراسي 2024-2025، بينما يتم تعيين خريجي السنوات السابقة وفقاً للقانون الحالي الذي يلزم الحكومة بتعيين جميع خريجي الكليات الطبية والمعاهد الصحية".

وأضاف شنكالي "تفاجأنا بقرار مجلس الوزراء بتخصيص 29 ألف درجة وظيفية فقط هذا العام لوزارة الصحة، في حين أن عدد المتقدمين من خريجي الكليات الطبية والمعاهد يبلغ حوالي 61 ألف، باستثناء خريجي العلوم".

وأكد أن هذا الوضع سيؤدي إلى مشكلات كبيرة ومطالبات واسعة من قبل الخريجين وذويهم والنقابات، مشيراً إلى ضرورة أن تعمل الحكومة مع مجلس النواب على تشريع القانون بما يتناسب مع مصلحة الدولة والخريجين والمواطنين والمؤسسات الصحية.

وأوضح أن "الحكومة تحتاج إلى التعاون مع وزارة الصحة لحل هذه الإشكالية وتعيين الخريجين، خاصة أن العديد منهم التحقوا بالكليات الأهلية بمقابل مالي وأيضاً أصحاب معدلات عالية التحقوا بهذه الكليات والمعاهد لغرض التعيين".

وتابع بأن المؤسسات الصحية لا تستطيع تحمل هذا الكم الهائل من الخريجين، وأن تعديل قانون التدرج الطبي كان يجب أن يتم منذ سنوات لضمان حقوق الطلاب والمواطنين على حد سواء.

وعلى مدى العقدين الماضيين، شهد العراق طفرة في عدد الجامعات والمدارس الأهلية التي تخرج أعداداً كبيرة من الطلاب سنوياً. والتي أدت إلى تضخم في عدد الخريجين، خاصة في تخصصات لا تتناسب مع احتياجات السوق العراقي.

والمشكلة لا تتوقف عند العدد فقط، بل تتعداها إلى جودة التعليم. فالعديد من هذه المؤسسات التعليمية لا تلتزم بالمعايير الأكاديمية المطلوبة، مما يؤدي إلى تخرج طلاب يحملون شهادات، ولكن بمستوى علمي غير جيد. وهذا التدهور في المستوى الأكاديمي يجعل الخريجين أقل قدرة على المنافسة في سوق العمل، سواء على الصعيد المحلي أو الدولي.

من جهة أخرى، يعاني العراق من نقص حاد في المشاريع الاقتصادية والصناعية القادرة على استيعاب هذه الأعداد الكبيرة من الخريجين. فالاقتصاد العراقي ما زال يعتمد بشكل كبير على القطاع النفطي، بينما يعاني قطاعا الصناعة والزراعة من تراجع كبير. وهذا الأمر يزيد من تعقيد الوضع، حيث يتخرج آلاف الطلاب سنوياً ليجدوا أنفسهم أمام سوق عمل محدود لا يوفر لهم فرص عمل تتناسب مع مؤهلاتهم.

وقد يؤدي استمرار هذه الأزمة دون حلول إلى المزيد من الاحتجاجات والتظاهرات، وتفاقم مشكلة البطالة بين الشباب، وزيادة نسب الهجرة، وإضعاف الثقة في النظام التعليمي والحكومي.