حميد عقبي يرصد تسع تجارب شعرية نسوية من داخل إسرائيل
باريس - عن المنتدى العربي الأوروبي للسينما والمسرح بفرنسا، صدر كتاب تسع شاعرات من إسرائيل: من الجرح إلى القصيدة، ومن الألم إلى السلام، للكاتب والمخرج اليمني المقيم في فرنسا حميد عقبي.
يقع الكتاب في 160 صفحة من القطع المتوسط، ويقدّم رحلة تأملية جريئة ومغايرة في تجارب تسع شاعرات يكتبن بالعبرية، ويخضن معارك شعرية وأخلاقية ضد العنف، الاحتلال، والتمييز، من داخل المجتمع الإسرائيلي ذاته.
تنوع ثقافي وشعري وإنساني
تضم قائمة الشاعرات: راحيل بلوشتاين، زِلدا شناورسون ميشكوفسكي، داليا رافيكوفيتش، طال نيتسان، روضة مرقس، آيات أبو شمّيس، هيلا لاهاف، عدي قيصر، ويائيل إيزنبرغ. يمثلن مشارب ثقافية وأجيالًا شعرية متعددة، بين من تنتمي لأصول دينية تقليدية، وأخرى كويرية، أو من أصول فلسطينية تكتب بالعبرية، أو نساء ينتمين للطبقات المهمشة.
في مقدمته العربية والإنكليزية، يوضح عقبي هدفه: فتح نافذة إنسانية على أصوات مستقلة تناضل من أجل العدالة والسلام داخل مجتمع تحكمه عسكرة المشهد، وتُهيمن عليه مؤسسات رسمية تمارس التعتيم الثقافي، لا الحوار. كما يشير إلى أهمية تجاوز الصور النمطية التي تختزل كل ما هو "إسرائيلي" في سلطة القمع والاحتلال، متجاهلة وجود مناضلات حرّات وشاعرات رقيقات يكتبن من الداخل، ويواجهن العنف من موقع نضال وإنسانية لا سلطة.
يعتمد الكتاب أسلوبًا نقديًا مختلفًا، يجمع بين الحس البصري، والمقاربة السينمائية/المسرحية للنصوص، دون السقوط في فخ الأكاديمية التقليدية، ففي قراءة تجربة راحيل – أيقونة الشعر العبري الحديث – يعيد عقبي النظر في علاقتها بالطبيعة والمرض والانتماء، بينما يقارب شعر زِلدا من باب التصوف الحاسيدي والرمزية الطقسية.
أما في تحليل داليا رافيكوفيتش، فيتتبع التوتر بين الأمومة والموت، بين الحب والهشاشة، بينما تتجلى تجربة طال نيتسان كأحد أكثر الأصوات تعقيدًا، تكتب من داخل الجسد الممزق، وتستعمل الحميمية سلاحًا ضد الحرب.
وفي قراءته لروضة مرقس، يضيء عقبي معاناة المثليات الفلسطينيات، وتمزقهن الوجودي بين اللغة، الوطن، والجسد، وتحوّل الشعر عندهن إلى فعل مقاومة داخلية. كما يرصد تجارب الشاعرات الشابات هيلا لاهاف، عدي قيصر، ويائيل إيزنبرغ، اللواتي يرفضن التواطؤ مع السوق، ويبحثن عن شعر مغاير لا يتكئ على الأشكال بل يراهن على الجوهر الإنساني.
يبدي إعجابه بتجربة آيات أبو شمّيس، الشابة اليافوية التي ثقفت نفسها وأبهرت النقاد بكتابة شعرية عبرية ذاتية تتناول قضايا تشظي الهوية ومشكلة أجيال كاملة.
يختم الكتاب بفصل تأملي ثنائي اللغة (عربي/إنكليزي) يلخّص أهم الأفكار والاستنتاجات، ويستعرض دور هذه الأصوات في طرح أسئلة العدالة والسلام خارج الشعارات المكرورة، كما يتضمن ملحقين باللغتين الإنكليزية والفرنسية يقدمان نبذات موجزة عن الشاعرات التسع، تسهيلًا للقراء غير العرب، في خطوة تهدف إلى جعل هذا العمل جسرًا ثقافيًا عابرًا للغات والمواقف السياسية.
في تقديمه، يشدّد عقبي على أهمية أن نتعلّم "الاستماع إلى الآخر" دون خوف أو تحامل، خصوصًا عندما يكون هذا الآخر يكتب من موقع المقاومة الداخلية، ويجابه قمع سلطته وسياستها.
ويقول "ليس كل من يكتب بالعبرية ناطق باسم الاحتلال، ولا كل صوت يأتي من إسرائيل هو صوت عدونا. ثمة مناضلات حقيقيات يدفعن أثمانًا غالية لمجرد أنهن يكتبن عن الحب، السلام، الجسد، أو الكرامة".
كما يوضح أن هذا المشروع لا يحظى بأي دعم مؤسساتي، بل هو جهد فردي من كاتب مستقل يسعى إلى التفاعل مع الأصوات الأخرى المقهورة والمُقصاة، مضيفا "علينا ككتّاب وفنانين مستقلين أن نمدّ الجسور الإبداعية مع من يشبهنا في الحلم، لا مع من يتحكم في الحدود والأسلحة والمفاوضات".
دعوة للحوار والتلاقي
يأتي هذا الكتاب في وقت تتصاعد فيه الأصوات المتطرفة، ويغيب فيه صوت الشعر عن مائدة النقاشات السياسية، لكن عقبي يؤكد في كتابه أن الشعر لا يزال أداة مقاومة ناعمة، قادرة على أن تجمع، لا تفرّق، وأن توقظ فينا إحساسًا مشتركًا بالكرامة والأمل.
في ظل شحّ الدراسات بالعربية حول الأدب النسوي العبري المناضل، يملأ هذا الكتاب فراغًا نقديًا ويقدّم مادة أولية ضرورية لفهم هذا العالم الشعري المركّب.