سباق المواهب في عصر الخوارزميات
لوس أنجلس (كاليفورنيا) - بعد عام من تباطؤ الإنتاج أبعده عن قلب الصناعة، وجد فنان المؤثرات البصرية المخضرم مايكل إنج نفسه خارج المشهد الهوليوودي، يتصفح إعلانات التوظيف في لوس أنجلس بحثاً عن فرصة تعيده إلى الواجهة. هناك اكتشف فجوة غير متوقعة في سيرته المهنية: غياب الخبرة في مجال تعلّم الآلة، المهارة التي باتت تتصدر متطلبات سوق العمل.
بدلاً من مقاومة الموجة، قرر إنج خوضها. التحق ببرامج مؤسسة كيوريوس ريفيوج، وهي منصة تعليمية عبر الإنترنت تُعنى بتدريب صناع الأفلام على توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي. ومنذ إطلاق أكاديميتها المتخصصة في مايو/أيار 2023، تحولت إلى محطة رئيسية للعاملين في هوليوود الساعين إلى مواكبة التحولات التي أحدثتها التقنيات التوليدية في الإنتاج السينمائي.
يقول إنج عن تجربته "تقبلت الأمر نوعاً ما… قفزت بداخله". فبينما يخشى البعض أن يفضي الذكاء الاصطناعي إلى تقليص الوظائف، يرى آخرون أنه يفتح مسارات مهنية جديدة. المخاوف تصاعدت العام الماضي مع الجدل الذي أثارته الممثلة الافتراضية تيلي نوروود، والتي اعتبرتها نقابة ممثلي الشاشة-الاتحاد الأمريكي لممثلي الإذاعة والتلفزيون نموذجاً لاستبدال "ممثلين اصطناعيين" بالبشر.
ورغم الجدل، تشير بيانات كيوريوس ريفيوج إلى أن نحو 10 آلاف طالب التحقوا بدوراتها وورشها التدريبية، 95 في المئة منهم محترفون في مجالات الترفيه والإعلان يسعون إلى إعادة تأهيل مهاراتهم في عصر الذكاء الاصطناعي.
من بين هؤلاء بيترا مولنار، التي انتقلت من مجال طب الأسنان إلى صناعة الإعلان المدعوم بالذكاء الاصطناعي. كانت تعمل أخصائية لصحة الفم في لندن عندما أغلقت جائحة كوفيد-19 العيادة التي تعمل بها، فاستثمرت وقتها في دراسة تصميم المنتجات الرقمية وأطلقت تطبيقاً خاصاً بصحة الأسنان. لاحقاً، ومع انتشار أدوات مثل تشات جي بي تي (ChatGPT) وميدجورني (Midjourney)، التحقت بكيوريوس ريفيوج عام 2023، لتشق طريقها في إنتاج مقاطع دعائية تعتمد على الذكاء الاصطناعي.
أحد أبرز أعمالها كان فيديو ترويجي لشركة وايت فايبر، عُرض على شاشة "ناسداك" العملاقة في تايمز سكوير بالتزامن مع إدراج الشركة في البورصة في سبتمبر/أيلول الماضي. تقول مولنار "الذكاء الاصطناعي غيّر حياتي فعلاً".
تأسست كيوريوس ريفيوج عام 2020، وبدأت في أوائل 2023 تقديم برامج متخصصة في صناعة الأفلام الوثائقية والروائية والإعلانات بمساعدة الذكاء الاصطناعي. وتوفر اليوم مناهجها بإحدى عشرة لغة لطلاب في 170 دولة. كما تقدم مؤسسات أخرى، مثل معهد لوس أنجلس للسينما، برامج أكاديمية تدمج الذكاء الاصطناعي في مناهج صناعة الأفلام الرقمية.
تعتمد كيوريوس ريفيوج نموذجاً تعليمياً مرناً، إذ تُسجَّل الدروس مسبقاً وتتاح عبر الإنترنت مقابل رسوم، مع ساعات مكتبية أسبوعية للمدربين ولقاءات دورية، بينها فعاليات في مهرجان كان السينمائي. كما يشكل تطبيق ديسكورد فضاءً افتراضياً لتفاعل مجتمعها.
المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي كيليب وورد يؤكد أن الهدف هو "بناء أساس متين من الفهم لدى العاملين في الاستوديوهات حول كيفية تسخير الذكاء الاصطناعي وإمكاناته الإبداعية".
وتشير دراسة أجريت عام 2024 بتكليف من كونسبت آرت أسوسييشن وأنيميشن جيلد إلى احتمال إلغاء أو دمج أو استبدال نحو 120 ألف وظيفة في قطاعات السينما والتلفزيون والتحريك بنهاية العام بسبب الذكاء الاصطناعي التوليدي.
مع ذلك، يرى كريس جاكيمن، رئيس الاستراتيجية الرقمية في وكالة المواهب دبليو.إم.إي، أن المشهد لا يقتصر على الخسائر، بل يشمل أيضاً ولادة جيل جديد من رواة القصص بفضل انخفاض الحواجز المالية وقدرة الأفراد على إنتاج محتوى لم يكن متاحاً لهم سابقاً.
في فبراير/شباط الماضي، استحوذت شركة بروميس على كيوريوس ريفيوج. وتحظى بروميس بدعم من أندريسن هورويتز وستوديو نورث رود التابع للخبير الإعلامي بيتر تشيرنين.
ويقول جيمي بيرن، الشريك المؤسس لبروميس، إن الاستحواذ يهدف إلى ضمان تدفق مستمر من المواهب المتمرسة في تقنيات الإنتاج بالذكاء الاصطناعي، في ظل احتدام المنافسة على الكفاءات.
أما إيف بايرجكفيست، مدير مشروع الذكاء الاصطناعي وعلم الأعصاب في مركز تكنولوجيا الترفيه بجامعة جامعة ساذرن كاليفورنيا، فيصف التعليم بأنه "أكبر فرصة في مجال الذكاء الاصطناعي حالياً" نظراً لتعقيد هذه التكنولوجيا وتسارع تطورها، مشيداً ببرامج كيوريوس ريفيوج وواصفاً إياها بـ"الممتازة".
بالنسبة لمايكل إنج، لم تكن العودة مجرد احتمال نظري. فبعد انخراطه في أدوات الذكاء الاصطناعي، بدأ يحصل على أعمال جديدة سريعاً، وأصبح يدرّس أيضاً دورة في صناعة الأفلام المعتمدة على الذكاء الاصطناعي في مؤسسة "ستوديو آرتس" المهنية في لوس أنجلس. وبينما تعيد التكنولوجيا رسم ملامح هوليوود، يبدو أن من يختار التعلم والتكيّف يجد لنفسه مكاناً في المشهد الجديد.

