'قاهرة اليوم الضائع'.. بين الحكاية والمدينة
يُقال إن بعض المدن تبدو وكأنها لا تعيش في الزمن بقدر ما تعيش في ذاكرته؛ مدن تختلط فيها الحكايات القديمة بتفاصيل الحاضر، ويتحوّل فيها الإنسان إلى شاهد على ضياع صورته وتفاصيله وهويته الإنسانية وسط حياة يومية مليئة بالتناقضات.
في هذا الإطار تأتي رواية "قاهرة اليوم الضائع"، الصادرة عن دار المتوسط للكاتب الكبير إبراهيم عبدالمجيد، لتقدم لنا صورة إنسانية مكثفة عن المدينة بوصفها كائنًا حيًا يتنفس تاريخَه ويئنّ تحت وطأة تحولات الواقع، وما تعكسه هذه التغيرات على نفوس شخصياتها وأحلامهم وطموحاتهم في الحياة.
هنا، يحاول الكاتب تحويل "قاهرة اليوم الضائع" من مجرد يوم عابر إلى مساحة تأملية مليئة بالأحلام واللقاءات مع أشخاص مرّوا من هنا في زمنٍ ما، وتركوا خلفهم صورًا وأحلامًا وكلمات ما زلنا نرددها في ذاكرتنا الجمعية حتى اليوم.
تمنح الروايةُ اليومَ العابر هذه الأبعادَ التأملية الكبيرة، ليصبح مساحةً للتفكّر في المكان: كيف كان، وكيف أصبح.
ما يميز هذا العمل قدرته الفريدة على المزج بين السرد الواقعي من جهة والغرائبي من جهة أخرى، مع لمسات تأملية غاية في الروعة. فالبطل لا يتجوّل في شوارع القاهرة في يوم حظر التجوال ويلتقي بالموتى فحسب، بل يستذكر أيضًا قاهرةً كانت كما رآها المؤلف وتمنّاها.
تنتمي "قاهرة اليوم الضائع" إلى الأعمال الأدبية التي كتبها عبدالمجيد عن القاهرة، والمتابع لأعماله يلاحظ كيف يلجأ إلى تصوير حيّ ودقيق للقاهرة: مبانيها العريقة، ودور السينما، والنوادي، والمقاهي القديمة. يحاول تصوير كل زاوية كانت تربطه، أو تربط شخصيات أعماله، بذكريات متأصلة بها، مقابل ما طرأ على هذه الأماكن من تغييرات نحو الأسوأ، وسط أوضاع حياتية يومية مليئة بالضغوط السياسية والاقتصادية.
تتسم الرواية بالسرد العميق ووضوح المعنى، بالإضافة إلى تنوع الشخصيات التي تعكس التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي طرأت على القاهرة، وكيف أثرت هذه التغيرات في حياتهم. ومن بين العناصر الجمالية الواضحة في الرواية التصويرُ الدقيقُ لأبرز معالم القاهرة، الذي استخدمه المؤلف بعناية وحرص، مما منح القارئ إحساسًا عميقًا بأصالة المكان وقدمِه قبل أن تطاله التغييرات الحديثة، لتتحول هذه المعالم إلى ذكرى عابرة.