الموسم الثاني من 'تحت الأرض' يُصعد الصراعات في سوق التبغ الدمشقي
دمشق ـ تواصلت عمليات تصوير الجزء الثاني من مسلسل "تحت الأرض"، الذي يحمل عنوانه الفرعي "جرد حساب"، ليكون امتدادا مباشرا للأحداث المتوترة التي اختتم بها الموسم الأول، مع وعود من صنّاع العمل بتصعيد درامي أكبر وتعميق الصراعات العائلية والتجارية التي شكلت العمود الفقري للحكاية.
ويعد هذا الموسم الجديد فرصة لإعادة ترتيب موازين القوى داخل سوق التبغ الشهير بـ"التتن"، وفتح مسارات جديدة تعكس تحولات الشخصيات بعد سلسلة من الخسارات والخيانات التي شهدها الموسم الأول.
ودار الموسم الأول في دمشق مطلع القرن العشرين، حيث احتكرت عائلة الصافي تجارة التبغ، وفرضت قوانين صارمة على السوق، ما أدى إلى صراع محتدم مع منافسين جدد.
وامتد الصراع إلى علاقات الدم والولاء والخيانة، وانتهى بمأساة درامية تمثلت بمقتل شخصيتي جودت وشقيقته، اللذين جسدهما مكسيم خليل ولين غرة، في مشهد ترك أثرا كبيرا على الجمهور ومهّد لتحولات جوهرية في الموسم الثاني.
ينطلق “جرد حساب” من تداعيات هذه النهاية، حيث تتبدل التحالفات داخل عائلة الصافي، ويعاد صياغة خطوط الصراع بشكل أكثر تشابكًا ودرامية.
أبرز هذه التحولات يتمثل في عودة قوية لشخصية مروان الصافي، التي يؤديها سامر المصري، ليحتل هذا الدور مساحة شبه بطولة مطلقة، ويظهر بأبعاد أكثر غموضًا وتعقيدًا، حيث تتقاطع رغبته في الانتقام مع سعيه لإعادة بناء النفوذ داخل السوق.
في تصريحات من كواليس التصوير، قال سامر المصري، "مروان ليس مجرد رجل أعمال؛ إنه شخصية تتصارع مع هواجس الماضي والخيانة، وفي الموسم الجديد سنرى كيف تتحول أفعاله إلى انعكاس صراعاته الداخلية."
وطال التغيير بعض الأدوار الأساسية، فقد شهدت شخصية عامر الصافي إعادة تقديم بعد انسحاب الممثل السابق، ليتولاها جوان خضر، في خطوة تهدف إلى الحفاظ على استمرارية الخط الدرامي، مع منح الشخصية مساحة لتطور جديد يظهر صراعها بين الولاء للعائلة وطموحاتها الشخصية.
وينضم إيهاب شعبان بدور جديد يضيف طبقة إضافية من التعقيد، في إطار شبكة الشخصيات المرتبطة بصراعات النفوذ، ما يوسع دائرة الصراع إلى ما وراء العائلة مباشرة، لتشمل السوق والشركاء المنافسين.
وتحضر سلافة معمار بشخصية آسيا، التي تلعب دورا محوريا في مسار الأحداث. آسيا ليست شخصية مساندة فحسب، بل عنصر فاعل في شبكة العلاقات، تدخل في ثنائيات وصراعات مؤثرة مع رجال السوق والعائلة، ما يجعل حضورها حاسمًا في تحولات الأحداث.
وبدأت معمار تصوير مشاهدها في أبوظبي بعد الانتهاء من مرحلة أساسية من التصوير في سوريا، في مؤشر على اتساع رقعة الإنتاج وحرص صناع العمل على تعزيز الجانب البصري للمسلسل.
وأكدت سلافة، أن "آسيا شخصية مركبة، تمثل صراع المرأة بين الولاء والحب والطموح الشخصي، وهي قادرة على قلب موازين الأحداث في أي لحظة."
وتشهد قائمة الممثلين انضمام لافت يعزز ثراء الحكاية، أبرزها الفنانة اللبنانية ساشا دحدوح بشخصية سارة، المرتبطة بأحد أبناء عائلة الصافي، في خط درامي يضيف بعدًا عاطفيًا وإنسانيًا للصراع.
ويجسد رامز الأسود شخصية المنهي، وهو شخصية مضطربة نفسيا تضيف عنصر تهديد دائم وتزيد من توتر الأحداث، بينما يؤدي عبد الهادي الصباغ دور مأمون، التاجر الذي يدير شبكة نفوذ خفية داخل سوق التبغ، ليبرز صراعات الظل التي لا تقل خطورة عن المواجهات المباشرة.
ويشارك في الموسم الجديد عدد من الأسماء التي تضيف تنوعًا دراميًا، مثل يزن السيد، إياد عيسى، روبين عيسى، علا باشا، رسل الحسين، محمد حمادة، وفادي الشامي، في توليفة تسعى إلى خلق شبكة علاقات متشابكة تعكس طبيعة السوق كمساحة للصراع والتحالف في الوقت ذاته. وفي الوقت نفسه، حافظ بعض نجوم الجزء الأول على حضورهم، بينهم فايز قزق، كارمن لبّس، وكرم شعراني، ما يضمن استمرارية الروح الدرامية مع تطورها.
ويتجه الجزء الثاني إلى توسيع عالم السوق بوصفه مركزًا تتقاطع فيه المصالح الاقتصادية والعائلية.
وتحظى عائلة محمود بيك بحضور أكبر، مما يعمّق الصراع بين القوى التقليدية واللاعبين الجدد الذين يديرون خيوط اللعبة من خلف الستار. هذا التوسع يمنح العمل فرصة لاستكشاف بنية السلطة في تلك الحقبة، بعيدا عن الصورة النمطية التي ركزت عليها الأعمال التاريخية الأخرى، ما يجعل المسلسل تجربة غنية على المستوى الفني والاجتماعي.
ويؤكد صنّاع المسلسل، أن "جرد حساب" سيكون أكثر نضجا وكثافة على مستوى الكتابة والبناء الدرامي. النص الجديد، الذي كتبه بسام جنيد ومصطفى شرف، يعمّق دوافع الشخصيات ويستكشف تأثير الخسارة والطموح والسلطة على اختيارات الأفراد، بدل الاكتفاء بالصراع الخارجي فقط.
ويراهن الإخراج يواصل توقيعه مضر إبراهيم، على تصعيد الإيقاع البصري وتكثيف أجواء التوتر، بما يتناسب مع طبيعة الحكاية القائمة على المواجهة المستمرة والتوتر النفسي.
وفي تصريحاتهم من كواليس التصوير، أكد الأبطال أن الموسم الجديد يعيد تعريف الصراعات بدل تدويرها، مع التركيز على نتائج أفعال الشخصيات. وقال جوان خضر، "عامر يواجه تحديات أكبر، والصراع مع مروان ومع السوق سيختبر حدود ولائه وقوته."
وأضاف رامز الأسود "المنهي شخصية مضطربة، تحرك الأحداث من داخلها، وتخلق لحظات صادمة للجمهور." وأكدت ساشا دحدوح، "سارة ليست مجرد رابط عاطفي، بل صانعة قرارات تغير موازين القوى في العائلة."
ويرسخ المسلسل موقعه كأحد الأعمال العربية التي تناولت بدايات صناعة وتجارة التبغ من زاوية اجتماعية واقتصادية، بعيدًا عن السرديات التقليدية التي ركزت على البطولة الشعبية أو المواجهة مع الاحتلال. ويظهر “جرد حساب” كمرحلة إعادة تموضع لكل شخصية، حيث لا شيء يبقى على حاله، وتتحول الخسارات إلى وقود لصراعات أكثر شراسة، في انتظار موسم رمضاني يعد بالكثير من المفاجآت والتقلبات.
ويضيف هذا البناء الدرامي بعدًا إنسانيًا يوضح كيف تتحول الصراعات الاقتصادية إلى مرآة لصراعات نفسية داخلية، تعكس طموحات، مخاوف، وخيانات الشخصيات، ما يجعل المشاهد أمام تجربة ممتعة ومثيرة في الوقت نفسه.