حكاية نرجس دراما إنسانية تكسر الصمت الاجتماعي
القاهرة ـ يشهد موسم دراما رمضان 2026 محطة مهمة في مسيرة الفنانة المصرية ريهام عبد الغفور، التي تخوض أولى بطولاتها المطلقة في الدراما التلفزيونية عبر مسلسل حكاية نرجس، بالتوازي مع تجربتها السينمائية البطولية في فيلم خريطة رأس السنة.
وعكس هذا التزامن بين الشاشة الصغيرة والكبيرة مرحلة فنية جديدة تسعى خلالها إلى تقديم أعمال إنسانية تمس قضايا حساسة، وتضع المشاهد أمام مرآة اجتماعية صادقة، بعيدًا عن الاستسهال أو التكرار.
ويدور مسلسل حكاية نرجس في إطار اجتماعي إنساني حول امرأة قوية الشخصية تحاول أن تصمد في مواجهة نظرة مجتمع قاسية لمجرد كونها مطلقة.
و"نرجس" ليست شخصية تقليدية؛ فهي امرأة تسعى لإعادة بناء حياتها وسط أحكام جاهزة وضغوط نفسية لا تنتهي.
ومع تصاعد الأحداث، يتكشف أن أزمتها لا تتوقف عند الطلاق، بل تمتد إلى معاناتها من مشكلة تأخر الإنجاب، ما يضاعف شعورها بالعزلة ويجعلها في مواجهة مزدوجة مع المجتمع.
ويطرح المسلسل هذه القضية من زاوية إنسانية بعيدة عن الوعظ المباشر، إذ يرصد الألم الصامت الذي تعيشه بعض النساء حين يتحول الإنجاب إلى معيار اجتماعي قاسٍ.
وتجد نرجس نفسها "مدانة" مرتين في نظر المحيطين بها: مرة لأنها لم تحافظ على زواجها، ومرة لأنها لم تصبح أمًا. هذا التصادم بين الفرد والمجتمع يشكل المحرك الأساسي للأحداث، حيث تتعرض البطلة لمواقف يومية تكشف قسوة الأحكام المسبقة، لكنها في الوقت نفسه تفتح بابًا للأمل والتغيير.
ويعتمد العمل على بنية سردية مكثفة تمتد عبر 15 حلقة فقط، ما يمنح الأحداث إيقاعا سريعا خاليا من المطّ. كل حلقة تحمل تطورا جديدا في رحلة نرجس، سواء على مستوى علاقتها بعائلتها أو محيط عملها أو تجربتها العاطفية.
ولا تأتي المفاجآت الدرامية بهدف الصدمة، بل لخدمة تطور الشخصية، حيث نراها تنتقل من حالة الانكسار إلى محاولة استعادة ثقتها بنفسها.
وتتشابك خطوط درامية أخرى مع قصة نرجس، أبرزها علاقتها بزوجها السابق، ومحاولاتها لإثبات ذاتها مهنيًا، إضافة إلى صداقات تكشف وجوها مختلفة من التضامن النسائي.
هذه الخطوط تضيف عمقا إنسانيا للعمل، وتؤكد أن القضية ليست فردية، بل تمس شريحة واسعة من النساء في المجتمع العربي.
وعبّرت ريهام عبدالغفور عن حماسها للتجربة قائلة، "نرجس شخصية قريبة من الواقع بشكل مؤلم أحيانًا. أثناء التحضير شعرت أنني أحمل مسؤولية نقل معاناة حقيقية تعيشها نساء كثيرات. أردت أن أقدمها بصدق، بعيدًا عن المبالغة، حتى يشعر المشاهد أنها قد تكون أخته أو صديقته أو حتى نفسه".
ويشاركها البطولة الفنان حمزة العيلي، الذي أوضح أن العمل يسلط الضوء على الجانب النفسي للعلاقات الزوجية، "المسلسل لا يدين أحدا، بل يفتح نقاشا حول الضغط الاجتماعي. الشخصية التي أقدمها تمر بصراع داخلي بين الحب والخوف من نظرة الناس، وهذا ما يجعلها إنسانية للغاية."
وأكد الفنان تامر نبيل أن قوة النص تكمن في واقعيته، "النص مكتوب بحساسية شديدة. كل موقف يبدو مألوفًا، كأننا رأيناه في حياتنا اليومية. هذا ما يجعل الدراما مؤثرة دون افتعال."
ومن جانبها، أشارت الفنانة بسنت أبو باشا إلى أن المسلسل "يمنح مساحة للأمل رغم ثقل القضية، هناك دائمًا لحظات دفء وإنسانية تذكّرنا بأن التغيير ممكن".
وأوضح المؤلف عمار صبري أن فكرة العمل جاءت من قصص واقعية، "استندنا إلى حكايات حقيقية لنساء عانين في صمت. أردنا أن نكسر هذا الصمت عبر دراما تحترم عقل المشاهد".
وأكد المخرج سامح علاء أن التحدي كان الحفاظ على التوازن بين الحساسية والدراما، "حرصنا على تقديم الصورة بواقعية دون استغلال الألم. الأداء التمثيلي كان مفتاح نقل المشاعر بصدق".
بالتوازي مع المسلسل، تخوض ريهام بطولة فيلم خريطة رأس السنة، الذي يستلهم أجواء الأعياد الأوروبية عبر قصة إنسانية لطفل مصاب بمتلازمة داون يسافر من المجر إلى باريس مرورًا بعدة مدن. تُروى الأحداث من وجهة نظر الطفل "نور"، الذي يحلم بلمّ شمل عائلي دافئ وسط صقيع الغربة.
ما يجمع بين المسلسل والفيلم هو التركيز على الإنسان في لحظات ضعفه وقوته. حكاية نرجس يواجه قضايا اجتماعية حساسة بشجاعة، بينما خريطة رأس السنة يحتفي بالبراءة والأمل. هذا التنوع يؤكد رغبة ريهام عبد الغفور في تقديم أعمال تتجاوز الترفيه إلى التأثير، وتفتح نقاشات مجتمعية حول قضايا مسكوت عنها.
واعتادت ريهام عبد الغفور منذ بداياتها أن تختار شخصيات تحمل أبعادًا إنسانية. لكن موسم رمضان 2026 يمنحها فرصة لتأكيد حضورها كبطلة مطلقة، قادرة على قيادة عمل درامي كامل، وفي الوقت نفسه خوض تجربة سينمائية ذات طابع عالمي. هذا التوازي بين الدراما المحلية والسينما ذات البعد الدولي يعكس نضجًا فنيًا ورغبة في توسيع دائرة التأثير.

