قائد سلاح الجو التركي في القاهرة لتعزيز التعاون العسكري

إعادة تشكل محور مصري–تركي بتعاون دفاعي متنامٍ يثير قلق قوى اقليمية لا سيما إسرائيل.
المسار يعكس إدراكاً متزايداً لدى البلدين بأن البيئة الإقليمية تفرض إعادة تموضع استراتيجي

القاهرة – تعكس الزيارة الأخيرة التي قام بها قائد القوات الجوية التركية الفريق أول ضياء جمال قاضي أوغلو إلى مصر تحولاً نوعياً في مسار العلاقات بين البلدين، خصوصاً على الصعيد العسكري، في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات استراتيجية متسارعة تعيد رسم خرائط التحالفات التقليدية. فقد استقبل قائد القوات الجوية المصرية الفريق عمرو صقر نظيره التركي في مقر قيادة القوات الجوية بالقاهرة، في لقاء ركّز على توسيع آفاق التعاون في مجالات التدريب والتسليح ونقل التكنولوجيا الدفاعية.
وجاء اللقاء امتداداً لاتفاقية الإطار العسكري التي وُقعت الشهر الماضي، والتي وضعت أساساً مؤسسياً لتطوير التعاون الدفاعي بين البلدين. وناقش الجانبان سبل تعزيز التنسيق العملياتي، وتكثيف برامج التدريب المشترك، إضافة إلى بحث فرص الشراكة في الصناعات العسكرية، بما يعكس رغبة متبادلة في الانتقال من مرحلة التطبيع السياسي إلى شراكة استراتيجية ذات بعد أمني واضح.

وعلى هامش الزيارة، اطّلع الوفد التركي على عدد من وحدات القوات الجوية المصرية، من بينها قاعدة غرب القاهرة الجوية، حيث جرى استعراض منظومات حديثة في مجالي التدريب والتسليح. هذه الجولة حملت دلالات تتجاوز الطابع البروتوكولي، إذ تشير إلى مستوى من الثقة يسمح بتبادل الخبرات والاطلاع على قدرات ميدانية متقدمة.
ويأتي التقارب العسكري المتسارع بين القاهرة وأنقرة بعد سنوات من القطيعة التي أعقبت عام 2013، حين دخل البلدان في مرحلة توتر حاد انعكس في ملفات إقليمية عدة، أبرزها الساحة الليبية وملف شرق المتوسط. غير أن مساراً تدريجياً من إعادة التواصل بدأ في 2023، مدفوعاً بحسابات براغماتية لدى الطرفين، قبل أن يتكرس عبر تبادل السفراء وزيارات رفيعة المستوى.
وبلغ التحول ذروته خلال زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى القاهرة في فبراير/شباط الماضي، حيث عُقدت مباحثات مع الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي أسفرت عن توقيع اتفاقية إطارية للتعاون العسكري، شملت مجالات التصنيع الدفاعي وتبادل الخبرات، مع حديث عن صفقات محتملة تصل قيمتها إلى نحو 350 مليون دولار، من بينها منظومات دفاع جوي قصيرة المدى.
ويرى مراقبون أن هذا المسار يعكس إدراكاً متزايداً لدى البلدين بأن البيئة الإقليمية تفرض إعادة تموضع استراتيجي. فشرق المتوسط يشهد تنافساً محتدماً على مصادر الطاقة وخطوط الملاحة، فيما تتصاعد التوترات في البحر الأحمر، إلى جانب استمرار هشاشة الأوضاع في ليبيا والسودان وغزة. في ظل هذه المعطيات، تسعى القاهرة إلى تنويع مصادر تسليحها وتعزيز استقلالية قرارها العسكري، بينما تعمل أنقرة على توسيع حضورها الدفاعي وكسر عزلتها السابقة في بعض دوائر الإقليم.
ولا يقتصر التعاون الثنائي على صفقات السلاح، بل يمتد إلى استئناف تدريبات مشتركة بحرية وجوية، مثل مناورات “بحر الصداقة”، إضافة إلى مباحثات بشأن إمكان مشاركة مصر في برامج صناعية عسكرية تركية متقدمة، بما في ذلك مشروع المقاتلة الوطنية من الجيل الخامس. وإذا ما تطور هذا المسار، فإنه قد يفضي إلى بناء قاعدة صناعية دفاعية مشتركة تعزز القدرات الذاتية للطرفين.
غير أن هذا التقارب لا يُقرأ بمعزل عن حسابات القوى الإقليمية الأخرى. فإعادة تشكل محور مصري–تركي بتعاون دفاعي متنامٍ يثير اهتماماً وقلقاً في آن واحد لدى بعض الأطراف، لا سيما إسرائيل، التي تراقب أي ترتيبات عسكرية جديدة في محيطها الاستراتيجي، خصوصاً تلك التي تمس توازنات شرق المتوسط والبحر الأحمر. كما أن دولاً أخرى قد ترى في تنامي الصناعات الدفاعية المشتركة محاولة لتقليص الاعتماد التقليدي على الموردين الغربيين، بما يحمله ذلك من أبعاد سياسية.
وفي المقابل، يؤكد مسؤولون في القاهرة وأنقرة أن التعاون يستهدف تعزيز الاستقرار الإقليمي وليس خلق محاور تصادمية. ويشيرون إلى أن الشراكة تقوم على المصالح المتبادلة واحترام سيادة الدول، مع التركيز على مكافحة الإرهاب وتأمين خطوط الملاحة ودعم الأمن البحري.
ويبقى أن هذا المسار، رغم زخمه الحالي، سيظل مرهوناً بقدرة الطرفين على إدارة تباينات محتملة في ملفات إقليمية حساسة، وعلى ترجمة الاتفاقيات الموقعة إلى برامج تنفيذية مستدامة. لكن المؤكد أن صفحة جديدة فُتحت في العلاقات المصرية–التركية، عنوانها شراكة دفاعية تتشكل في بيئة إقليمية مضطربة، وقد يكون لها تأثير يتجاوز حدود البلدين إلى مجمل توازنات الشرق الأوسط.