لقاح شامل يمنح المناعة ضد أنواع الانفلوانزا وأمراض التنفس
لندن - تخيل لو أن بخاخًا أنفيًا يمنحك مناعة ليس فقط ضد الفيروسات المسببة لمرض كوفيد-19 والإنفلونزا، بل ضد جميع أمراض الجهاز التنفسي، هذا ما كشفته دراسة حديثة نُشرت الجمعة في مجلة "ساينس".
ويقول الباحثون إن نهجهم يمثل "تحولاً جذرياً" في طريقة تصميم اللقاحات المتبعة منذ أكثر من 200 عام.
ووصف خبراء في هذا المجال الدراسة بأنها "مثيرة للغاية" رغم أنها لا تزال في مراحلها المبكرة، معتبرين أنها قد تشكل "خطوة كبيرة إلى الأمام".
وتُدرّب اللقاحات الحالية الجسم على مكافحة عدوى واحدة محددة؛ فلقاح الحصبة يقي من الحصبة فقط، ولقاح الجدري المائي يقي من الجدري المائي فحسب. وهكذا تعمل برامج التحصين، لكن النهج الموصوف في مجلة "ساينس" لا يقوم على تدريب الجهاز المناعي مباشرة، بل يحاكي الطريقة التي تتواصل بها الخلايا المناعية مع بعضها بعضاً.
ويُعطى اللقاح على شكل بخاخ أنفي، ويجعل خلايا الدم البيضاء في الرئتين – المعروفة باسم الخلايا البلعمية (الماكروفاج) – في حالة "تأهب قصوى"، جاهزة للتحرك فوراً مهما كان نوع العدوى التي تحاول اختراق الجسم.
وعند إعطائه للفئران، وفر لها حماية لمدة ثلاثة أشهر على الأقل ضد العديد من الفيروسات والبكتيريا المسببة للأمراض، بما في ذلك فيروس سارس-كوف-2 المسبب لمرض كوفيد-19، بل وحتى ضد الاستجابة لمسببات الحساسية التنفسية.
وإذا تم تطبيق البحث على البشر بشكل آمن وفعال، فيمكن تقديم مثل هذا "اللقاح الشامل" للجميع في بداية كل فصل شتاء - وربما يوفر خط دفاع أول ضد الأوبئة المستقبلية.
وقام بالي بوليندران، عالم المناعة في جامعة ستانفورد في بالو ألتو، كاليفورنيا، ومجموعته بدراسة لقاح باسيل كالميت غيران (BCG) 2، الذي يوفر حماية مؤقتة ضد العديد من الأمراض ويعمل عن طريق تنشيط جهاز المناعة الفطري والحفاظ عليه نشطًا.
وفي أحدث دراسة، طور فريق بوليندران لقاحًا شاملًا يستهدف جهاز المناعة الفطرية، ويتكون من ثلاثة مكونات. المكونان الأولان عبارة عن أدوية تحفز بروتينات مستقبلة محددة يمكنها تنشيط خلايا المناعة الفطرية، مثل البلاعم الموجودة في الرئتين.
ويحفز المكون الثالث مجموعة من الخلايا التائية، وهي جزء من الجهاز المناعي التكيفي. وتتمثل مهمتها في إرسال إشارات مستمرة إلى الجهاز المناعي الفطري للحفاظ على نشاطه. يحتوي اللقاح على بروتين مُحفز للمناعة مُستخلص من بيض الدجاج، وفي التجارب التي تم فيها حذف هذا البروتين، تضاءلت المناعة بسرعة.
وأظهرت الفئران التي تلقت أربع جرعات من اللقاح الأنفي مناعة ضد فيروس سارس-كوف-2 وفيروسات كورونا الأخرى، بالإضافة إلى البكتيريا المسببة لبعض التهابات الجهاز التنفسي. ومن الفوائد الجديدة الأخرى أن المسارات المناعية المُنشَّطة كبحت أيضًا الآليات التي تُسبب فرط الحساسية لعث غبار المنزل، مما يقي من الربو التحسسي.
وكشفت تحليلات آلية عمل الحماية عما يسميه بوليندران نظامًا ذا حاجزين، حيث يحد حاجز مخاطي أولي من دخول مسببات الأمراض إلى الرئتين. ويقول "بعد ذلك، يُهيئ هذا التطعيم المخاطي جهاز المناعة في الرئتين، بحيث يكون سريعًا للغاية في إثارة استجابة مناعية نوعية للفيروس للقضاء على تلك الفيروسات القليلة التي تتسلل عبر الحاجز الأولي".
وقالت أكيكو إيواساكي، عالمة المناعة البيولوجية في جامعة ييل في نيو هيفن، كونيتيكت. "إنها ورقة بحثية رائعة حقاً، ومثيرة للاهتمام. تبدو البيانات واضحة جداً بالنسبة لي، إذا نجحت هذه الطريقة مع البشر، فسيكون ذلك أمراً مذهلاً حقاً".
بدوره، أفاد تشو شينغ، عالم المناعة في جامعة ماكماستر في هاميلتون بكندا، إن الأشخاص المطلعين على التطورات التي شهدتها اللقاحات المخاطية خلال العقد الماضي لن يتفاجأوا بهذه النتائج. ويضيف "نطلق عليها اسم 'اللقاح الجسري'، وهي فكرة تقوم على الاستفادة من جهاز المناعة الفطري لتوفير حماية غير انتقائية ضد مسببات الأمراض".