سراب الدولة: من الثورة إلى الاكتئاب

الربيع العربي لم يكن مجرد حراك سياسي انتهى، بل كان مرآةً كشفت أمراضاً بنيوية طالما تم تجاهلها في الجسد السياسي العربي.

لطالما شغلني سؤال جوهري: لماذا انهارت أنظمة عربية عدة بسهولة خلال موجة الربيع العربي 2011، وكأنها كانت تنتظر تلك اللحظة؟ ولماذا لم تثمر تلك الثورات عن ميلاد دولة بديلة على الرغم من حجم الشعارات الكبيرة التي رفعتها؟

تتزايد أهمية هذا السؤال مع تصاعد حالات استباحة الدول في العالم، والمخاطر التي تكاد تجرفها في ظل المشاريع التجزيئية نحو خلق الاضطرابات وعدم الاستقرار داخل الدول. ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن التفسيرات السائدة وأزعم أني اطلعت على الكثير منها، اكتفت بأعراض مثل الفقر والبطالة والتحريض الخارجي لتبرير سرعة انهيار الأنظمة، وأرجعت فشل البدائل إلى انعدام التجربة أو بسبب الأصولية، متجاهلة الجذور العميقة التي جعلت من سقوط تلك الأنظمة مجرد كشف عن فراغٍ بنيوي، لا لحظة ولادة جديدة.

ويبدو لي أن ما سمي بالدولة في العديد من تلك البلدان لم يكن سوى وهم مؤسساتي؛ فلم تكن الدول المنهارة كيانات قائمة على عقد اجتماعي أو مؤسسات مستقلة، ولم تكن قائمة على توافق بين السلطة والشعب، وإنما كانت هياكل ترتكز على ثلاثية: الإدارة المنغلقة، الأجهزة الأمنية، والاقتصاد الريعي، وعندما سقط النظام، تبين أن الجسد لم يكن موجوداً أصلاً.

وفي هذا السياق، أقترح النظر إلى النموذج الليبي بوصفه دراسة حالة تكشف جوهر الأزمة، وحتى لا نبحر في الإطار النظري المجرد، أرى من المفيد استحضار تصور عالم الاجتماع "بيير بورديو" للدولة ككيان رمزي، لا مجرد جهاز إداري. فالدولة الليبية —على سبيل المثال— لم تقم على مؤسسات شرعية مستقلة، بل كانت مرهونة في شخص الرئيس القذافي، وعندما سقط، لم ينهر فقط نظام حكمه، بل انهار الإطار الرمزي الذي أضفى على السلطة معنى وجود الدولة.

تتجاوز الأزمة في ليبيا مجرد انهيار مؤسسات السلطة أو غياب العقد الاجتماعي لتصل إلى ما يمكن تسميته بـ"انهيار الزمن المؤسساتي"؛ فعدد من الأنظمة التي سقطت في الربيع العربي لم تترك إرثاً زمنياً يسمح بالاستمرارية أو التراكم، بل تجمدت عند لحظة زمنية من الانقطاع حيث توقف البناء السياسي والتاريخي. بمعنى آخر، إن النظام لم يوفر دولة يرثها الآخرون، ولم يكن الفشل في بناء دولة جديدة في ليبيا بعد سقوط القذافي ناتجاً عن غياب الخطط السياسية فحسب، وإنما عن صدمة حقيقية عاشها المحتجون أنفسهم، حين أدركوا فجأةً أنهم كانوا يهتفون ضد النظام، لكنهم لم يمتلكوا البديل الذي يحل مكانه. فالجماهير التي خرجت تطالب بالكرامة في ليبيا وعدد من الدول وجدت نفسها أمام مفارقة حقيقية، وهي: كيف تطالب بدولة لم تعرفها أصلاً؟

وهذا الفراغ سبب ما يمكن تسميته "الاكتئاب الثوري"، والذي عم حشود المحتجين حين شعروا بالخذلان لأن الثورة كشفت أن الطريق إلى الدولة الحديثة لم يمهد أصلاً، وأن الشعارات وحدها لا تصنع المؤسسات، وأستطيع القول إن هذا الشعور بالاكتئاب عم أغلب الشرائح الاجتماعية التي نزلت وافترشت الشوارع في تلك السنوات، وكانت تحمل آمالاً عريضة في إعادة بناء الدولة، فلم تجدها.

الدرس الأعمق هنا، والذي ينبغي إدراكه مبكراً، أن بعض الثورات فشلت لأنها لم تفهم ذاتها؛ فالثورة الحقيقية ليست مجرد احتجاج أو نزول إلى الشارع أو افتراش الميادين، بل هي قبل ذلك —والأهم من ذلك— النجاح في إعادة تعريف الدولة نفسها. وما كشفه الربيع العربي أن بعض تلك الدول كانت بلا دولة أصلاً، فالجماهير الليبية واجهت سؤالاً محورياً ملخصه: كيف يمكن بناء دولة في ظل غياب شروط ميلادها الأساسية؟

في الختام، فإن الربيع العربي لم يكن مجرد حراك سياسي انتهى، بل كان مرآةً كشفت أمراضاً بنيوية طالما تم تجاهلها في الجسد السياسي العربي. أما المهم الآن، فهو أن يفهم الجيل الجديد أن بناء الدولة لا يبدأ من حيث انتهى الآخرون، بل من حيث لم يبدأ أحدٌ بعد، وأن بعض الثورات لم تفشل لأنها أخطأت الطريق، بل لأنها اكتشفت أنه لم يكن هناك طريق أصلاً.