كاريس بشار تتحدى النمطية في رمضان بشخصيات مركّبة
دمشق ـ تحضر كـاريس بشـار في دراما رمضان 2026 شخصيات متباينة، تؤكد من خلالها قدرتها على إعادة تشكيل أدواتها التمثيلية وفق عوالم مختلفة، لترسم بانوراما نسائية، تتقاطع فيها أسئلة الهوية والاختيار، لتصبح كل شخصية مرآة لجوانب إنسانية واجتماعية مختلفة، وتمنح الجمهور فرصة لفهم تعقيدات النساء في بيئات متباينة، من الريف الدمشقي إلى بيروت المعاصرة.
في مسلسل "بخمس أرواح"، تجسد كـاريس شخصية مغنية شعبية تُدعى "سماهر"، تمتد حياتها بين ثمانينيات القرن الماضي ومدينة بيروت عام 2026. هذا الامتداد الزمني يمنح الشخصية عمقاً استثنائياً، إذ لا يقتصر الأمر على متابعة صعود فني، بل يمتد إلى رسم تحولات امرأة عاشت تبدلات اجتماعية وثقافية حادة، وصارت شاهدة على تغيّر المجتمع من حولها.
وتنحدر سماهر من ريف دمشق، وتحمل في ملامحها روح البيئة المحافظة التي خرجت منها. ويصبح الغناء الشعبي هنا مساحة تناقض: فن قريب من الناس، لكنه محاط بأحكام مسبقة. من هذه المفارقة تنبثق طبقات الشخصية الأولى؛ هشاشة امرأة تسعى لإثبات ذاتها في مقابل مجتمع يراقبها ويقيد حركتها.
وعن هذا الدور، صرحت كـاريس بشـار، "أكثر ما جذبني في شخصية سماهر هو مساحة التحول الكبيرة، فهي ليست حياة واحدة، بل خمس حيوات مختلفة يعيشها الإنسان على مراحل حياته". وأضافت، "كنت حريصة على أن يظهر كل زمن بإيقاعه الداخلي، من نبرة الصوت إلى الوقفات، حتى يشعر المشاهد بالرحلة النفسية الكاملة".
اشتغلت كـاريس على هذه الازدواجية بدقة؛ أداؤها لا يعتمد على الانفعال العالي فقط، بل على التفاصيل الصغيرة، نظرة مترددة بين الخوف والتحدي، وحركة يد تكشف ارتباكاً، وصمت طويل يختصر صراعاً داخلياً. سماهر ليست صاخبة دائماً، بل تعيش توتراً مستمراً بين ما تريده لنفسها وما يُراد لها، ما يجعل الشخصية أكثر صدقية وإنسانية، ويقربها من المشاهد على مستوى التجربة الواقعية.
وما يميز "سماهر" هو مزيج العفوية والتمرد؛ فهي قريبة من الناس، تتحدث بلهجتهم وتغني لهم، لكنها ترفض أن تكون مجرد صوت للفرح العابر في الأعراس والحفلات الشعبية. وتحلم باعتراف فني أوسع، وبمكانة تتجاوز حدود البيئة التي انطلقت منها. هذا ويصطدم الطموح بظروف اجتماعية واقتصادية معقدة وبعلاقات شخصية تختبر صبرها وإصرارها.
وأكدت كـاريس، "سماهر تمثل امرأة تبحث عن صوتها في مجتمع يضعها تحت المجهر، وتظهر قوتها وهشاشتها في الوقت ذاته. أردت أن يكون أداؤها إنسانياً وملموساً، بعيداً عن النمطية".
ويعتمد المسلسل على خطين زمنيين: مرحلة الشباب في الثمانينيات، ومرحلة النضج في 2026. في الأولى، نرى الحلم في أنقى صوره: طاقة واندفاع ورغبة في كسر القيود، أما في الثانية، فتظهر آثار التجربة؛ نجاحات ممزوجة بخيبات وندوب لا تمحوها السنوات.
وأشارت كـاريس إلى أن أكثر ما جذبها في الدور هو "مساحة التحول"، مؤكدة أنها تعاملت مع سماهر كأنها تعيش خمس حيوات فعلاً، وحرصت على التفريق بين المرحلتين ليس عبر الشكل فقط، بل عبر الإيقاع الداخلي، نبرة الصوت، سرعة الكلام، وحتى طريقة الجلوس والوقوف، وهكذا يصبح الزمن عنصراً درامياً فاعلاً في تكوين الشخصية.
ويضيف البعد المكاني من الريف إلى بيروت أبعاداً أخرى للشخصية؛ فبيروت عام 2026 تصبح أكثر من خلفية جغرافية، بل مرآة لتغيرات الهوية والانتماء. وعلقت كـاريس على ذلك، "وجود سماهر في بيروت يمنحها فرصة مواجهة نفسها وسط تحولات كبيرة، وتقديم شخصية قادرة على التعبير عن مجتمع كامل من خلال صراعاتها اليومية".
وفي مسلسل "تحت سابع أرض"، تجسد كـاريس بشـار شخصية بلقيس، صاحبة محل لبيع الملابس المستعملة في حي شعبي بدمشق، لكنها مجبرة على ممارسة نشاط غير مشروع لتأمين لقمة العيش، ما يضعها في مواجهة دائمة مع القانون والمجتمع. هذه الشخصية تحمل في طياتها تناقضاً واضحاً بين الحاجة والواجب، بين البقاء والحفاظ على كرامة الفرد، وهو ما يمنحها بعداً إنسانياً نادراً في الدراما الشعبية.
بلقيس هي بائعة "بالة" عادية؛ وهي أيضاً امرأة تدير شبكة علاقات معقدة تحاول من خلالها تأمين لقمة العيش وسط بيئة صعبة ومليئة بالمخاطر. يظهر هذا التناقض بين حياتها اليومية الظاهرية وباطنها المليء بالتحديات والاختبارات، حيث توازن بين مسؤولياتها تجاه أسرتها وواجباتها الأخلاقية الشخصية.
وعرّفت كـاريس شخصية بلقيس، بأنها "امرأة مضطرة، لكنها ليست بلا ضمير؛ قوية، لكنها ليست بلا خوف"، مؤكدة أن الشخصية تجسد الكثير من النساء اللواتي يعشن على الهامش الاجتماعي، ويواجهن صراعات متواصلة بين الضرورة والضمير.
ومن عناصر العمق في شخصية بلقيس هو الصراع النفسي الدائم بين الحاجة الاقتصادية والالتزام الأخلاقي، فممارسة النشاط غير المشروع الذي تضطر إليه ليس قراراً شخصياً بالضرورة، بل نتيجة لضغوط الحياة اليومية. هذا الصراع يظهر جلياً في توتر ملامحها، وحركات اليدين، وطريقة المشي أو الجلوس، وهو ما جعل الأداء التمثيلي يتطلب تركيزاً شديداً من كـاريس على التفاصيل الصغيرة.
وقالت كـاريس بشـار عن هذا الجانب، "بلقيس شخصية مركبة، يعيش المشاهد معها كل لحظة توترها الداخلي، ويحس بالضغط النفسي الذي تعيشه. أردت أن يكون المشاهد قريباً من قلبها، من خوفها وجرأتها في الوقت نفسه".
وتضيف العلاقة بين بلقيس وشخصية موسى التي يؤديها تيم حسن بعداً درامياً آخر، فهي ليست علاقة حب تقليدية، بل صراع مستمر بين المصالح الشخصية والاحترام المتبادل، بين الاعتماد على الآخر والحفاظ على الاستقلالية. وتُظهر هذه العلاقة مدى قدرة بلقيس على اتخاذ قرارات صعبة وموازنة عواطفها مع مسؤولياتها اليومية.
وأشارت كـاريس إلى أن العلاقة مع موسى "تظهر أن بلقيس ليست ضحية تنتظر الإنقاذ، بل امرأة فاعلة تحاول أن تحافظ على استقلالها، حتى في أصعب المواقف". ويجعل هذا البعد الشخصية أقرب إلى الجمهور، الذي يمكن أن يتعرف على الصراعات اليومية للنساء في بيئات مماثلة.
وتعكس شخصية بلقيس واقع الشريحة الشعبية في دمشق، حيث اضطرار النساء أحياناً إلى الانخراط في أعمال محفوفة بالمخاطر لضمان البقاء. محل الملابس المستعملة، في هذا السياق، ليس مجرد متجر، بل رمز لمحاولة إعادة تدوير الحياة نفسها واستخراج قيمة من الهامش، وهو ما يعكس فلسفة البقاء وسط الظروف الصعبة.
وتعكس أيضاً الصراع بين الضرورة الأخلاقية والحاجة المادية يخلق توتراً داخلياً دائماً، يظهر في لغة الجسد، ونبرة الصوت، وتفاعلاتها مع المحيطين. هذا التوتر يعكس هشاشة الإنسان أمام التحديات اليومية، لكنه في الوقت نفسه يظهر القوة الداخلية للشخصية.
وتضيف علاقتها بموسى، وكذلك المواقف التي تتعرض لها في الحي ومع زبائنها، طبقة من التعقيد الدرامي، حيث تتحول الأحداث من مجرد حياة يومية إلى مواجهة إرادات وقيم، وهو ما يمنح المسلسل بعداً فلسفياً خفيفاً ضمن واقعية الدراما الشعبية.
وكان التحدي الأكبر في أداء شخصية بلقيس، الحفاظ على توازن معقد بين الصلابة والضعف، بين القسوة على الظروف والرحمة تجاه المحيطين. وأكدت كـاريس، "أردت أن يشعر المشاهد بكل التوتر الذي تعيشه بلقيس في كل لحظة، وفي الوقت نفسه إدراك القوة الداخلية التي تمتلكها، فهذا التوازن يجعل الشخصية أقرب للواقع وأكثر صدقاً".


