'عراب' تسويات المصالحة يسلم نفسه للسلطات السورية

قضية العودة تحمل دلالات سياسية تتجاوز بعدها الأمني، نظرا لتاريخه المعقد وصلاته الإقليمية السابقة، ما يجعل مسار التحقيق والمحاكمة مؤشرا مهما على طبيعة المرحلة المقبلة في الجنوب السوري.

دمشق - أفادت تقارير إعلامية سورية بأن القيادي السابق أحمد العودة سلّم نفسه للسلطات، عقب حادثة إطلاق نار شهدتها مدينة بصرى الشام في ريف درعا جنوبي سوريا، وأسفرت عن مقتل شخص وإصابة آخر. ونقلت صحيفة 'الثورة' الرسمية التابعة لوزارة الإعلام السورية، عن مديرية الإعلام في درعا أن الشرطة العسكرية تولت نقل العودة إلى دمشق لوضعه تحت تصرف القضاء العسكري، على خلفية مقتل عنصر من الجيش خلال الحادثة.

والعودة، المنحدر من بصرى الشام، يُعد أحد أبرز القادة السابقين في الجنوب السوري، إذ قاد تشكيل اللواء الثامن الذي تأسس عام 2018 بدعم من روسيا، وضم مقاتلين سابقين في صفوف المعارضة بعد توقيعهم اتفاقيات تسوية مع نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد. وقد انضم التشكيل لاحقاً إلى الفيلق الخامس المدعوم من موسكو، قبل أن يعلن اللواء مطلع عام 2025 حل نفسه ووضع أسلحته تحت تصرف الدولة، ليختفي العودة بعدها عن الأنظار وسط تساؤلات بشأن موقعه ودوره المستقبلي.

ويُعرف العودة بلقب "رجل روسيا في الجنوب" و"مهندس التسويات"، في إشارة إلى دوره خلال أحداث صيف 2018 عندما اجتاحت قوات النظام المنطقة وأبرمت اتفاقات مصالحة مع فصائل محلية. ورغم هذا الدور، بقي حضوره مثيراً للجدل بين مؤيدين يرونه وسيطاً ساهم في تجنب دمار أوسع، ومعارضين يعتبرونه أحد رموز ترتيبات ما بعد التسويات.

وفي تصريحات نقلتها الصحيفة الرسمية، قال العودة إنه وضع نفسه "في عهدة الرئيس أحمد الشرع ووزير الدفاع مرهف أبو قصرة"، مؤكداً أن حادثة بصرى الشام استُخدمت للتحريض ضده، وأن تسليم نفسه جاء لوضع حد للاتهامات عبر مؤسسات الدولة. كما أشار إلى تعرضه قبل أيام لمحاولة اغتيال نفذتها مجموعة قال إنها مدعومة من حزب الله، من دون صدور تعليق فوري من الحزب حول هذه المزاعم.

وكانت وكالة الأنباء الرسمية سانا أفادت بعودة الهدوء إلى بصرى الشام بعد انتهاء حظر تجوال مؤقت فرضته قوات الأمن مساء الجمعة إثر الحادثة، في خطوة عكست حساسية الوضع الأمني في المنطقة التي تشهد بين حين وآخر توترات مرتبطة بنشاط مسلحين مجهولين.

وتأتي هذه التطورات في سياق مرحلة سياسية وأمنية جديدة تشهدها البلاد منذ دخول فصائل المعارضة إلى دمشق في 8 ديسمبر 2024 وإعلان الإطاحة بحكم بشار الأسد الذي استمر من عام 2000 حتى ذلك التاريخ، بعد أن ورث السلطة عن والده حافظ الأسد الذي حكم بين عامي 1971 و2000. ومنذ ذلك التحول، تؤكد السلطات السورية سعيها إلى بسط الاستقرار وتعزيز السيطرة الأمنية في مختلف المحافظات، بينما يرى مراقبون أن تسليم شخصيات عسكرية سابقة نفسها قد يشكل اختباراً لآليات العدالة الانتقالية وإعادة دمج الفاعلين المسلحين في مؤسسات الدولة.

ويعتبر محللون أن قضية العودة تحديداً تحمل دلالات سياسية تتجاوز بعدها الأمني، نظراً لتاريخه المعقد وصلاته الإقليمية السابقة، ما يجعل مسار التحقيق والمحاكمة مؤشراً مهماً على طبيعة المرحلة المقبلة في الجنوب السوري.