واشنطن تستعجل حسم نزاع الصحراء وفق مقاربة المغرب

العاصمة الأميركية تحتضن جولة مفاوضات بين المغرب والجزائر وموريتانيا، بمشاركة ممثل عن جبهة بوليساريو، فيما تنحصر المحادثات حول مقترح الحكم الذاتي تحت سيادة المملكة.

واشنطن - في تحرك دبلوماسي عالي المستوى، تحتضن العاصمة الأميركية واشنطن اليوم الاثنين جولة مفاوضات حاسمة تجمع وزراء خارجية المغرب والجزائر وموريتانيا، بمشاركة ممثل عن جبهة بوليساريو. وتأتي هذه الخطوة لتمثل تحولاً جذرياً في التعاطي الأميركي مع ملف الصحراء المغربية، حيث تسعى إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى فرض حل نهائي قبل حلول صيف العام الجاري، مستندة إلى مبادرة الحكم الذاتي كخيار وحيد وأوحد فوق طاولة المفاوضات.

وخلافاً للمسارات التقليدية التي اتسمت بالبطء والجمود تحت مظلة الأمم المتحدة، نقل البيت الأبيض القضية إلى دائرة الإشراف المباشر. ويقود هذه الدينامية الجديدة مسعد بولس، مستشار الرئيس للشؤون الإفريقية والشرق أوسطية، بتنسيق وثيق مع مايكل والتز (مستشار الأمن القومي/سفير واشنطن لدى الأمم المتحدة)، مما يعطي المفاوضات ثقلاً سياسياً وتنفيذياً يتجاوز الطابع الاستشاري السابق.

وتتجاوز جولة واشنطن الحالية مرحلة "جس النبض" لتنتقل إلى صياغة "اتفاق إطاري للتنفيذ". وتكشف التقارير أن المغرب قدم نسخة "مُحينة ومطورة" من مقترح الحكم الذاتي، تتضمن تفاصيل دقيقة حول توزيع السلطات حيث تمنح المبادرة في نسختها الجديدة صلاحيات واسعة للسكان المحليين في إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

كما يشدد المقترح على التمسك بالسيادة المغربية المطلقة والكاملة على مجالات الدفاع، الأمن القومي والسياسة الخارجية، مع رفع العلم المغربي وتداول العملة الوطنية كرموز سيادية لا تقبل القسمة.

وتمارس إدارة ترامب حالياً ضغوطاً على صانع القرار في الجزائر لدفع الطرف الآخر نحو الانخراط الجدي في المسار السلمي، وتتوزع هذه الضغوط على ثلاثة محاور من بينها خفض مستوى التمثيل الأميركي في الجزائر والاكتفاء بقائم بالأعمال، وهي رسالة سياسية مشفرة تعكس عدم رضا واشنطن عن "الدور العرقلاتي" الذي تمارسه الجارة الشرقية للمغرب.

وفي سياق متصل يدفع نواب بالكونغرس الأميركي باتجاه إدراج بوليساريو على قوائم المنظمات الإرهابية، في حال استمرار رفضها للحلول السلمية أو تورط عناصرها في زعزعة استقرار المنطقة.

وينتظر أن تربط الولايات المتحدة التعاون الاقتصادي والمساعدات الدولية بمدى التجاوب مع "مجلس السلام العالمي" الذي تروج له الإدارة الأميركية كإطار إقليمي جديد لتصفية النزاعات.

وتتحرك واشنطن في مناخ دولي بات يميل بوضوح لصالح المقترح المغربي، حيث تلاشى خيار "الاستفتاء" تماماً من الأدبيات الدبلوماسية الكبرى بعد الدعم الصريح والمستمر من فرنسا وإسبانيا لمبادرة الحكم الذاتي.

ويستمد التحرك الأميركي شرعيته الدولية من قرار مجلس الأمن رقم 2797 (أكتوبر/تشرين الأول 2025)، الذي شدد على ضرورة التوصل إلى حل سياسي "واقعي وعملي" مبني على التوافق، وهو الوصف الذي لا ينطبق إلا على المبادرة المغربية.

ورغم الحضور البروتوكولي للمبعوث الأممي ستافان دي ميستورا في اجتماعات واشنطن، إلا أن "دفة القيادة" انتقلت فعلياً إلى البيت الأبيض. ولم تعد واشنطن تقبل بـ"العملية من أجل العملية"، بل وضعت جداول زمنية صارمة، معتبرة أن استمرار النزاع المفتعل يهدد استقرار شمال إفريقيا والساحل، وهو ما لا يتوافق مع استراتيجية "أميركا أولاً" التي تسعى لتصفية النزاعات المزمنة.

ولا تعد جولة واشنطن الحالية مجرد لقاء دبلوماسي عابر، بل هي "إعلان نوايا" أميركي لحسم الملف وإخراج المنطقة من مربع الجمود إلى مربع الاستقرار الاقتصادي والسياسي تحت السيادة المغرب.

ولا تأت التحركات الأميركية صدفة، بل جاءت كثمرة لـ"دينامية المنجزات" التي حققتها الرباط على أرض الواقع، والتي نقلت الملف من ردهات الدبلوماسية إلى واقع التنمية الشاملة، حيث نجحت المملكة في تحويل مدينتي العيون والداخلة إلى "أقطاب دبلوماسية" دولية، إذ ارتفع عدد القنصليات الأجنبية بالأقاليم الجنوبية إلى أكثر من 30 قنصلية، مما شكل اعترافاً سيادياً "بالممارسة" يتجاوز لغة البيانات.

ورصدت المملكة ميزانية ضخمة تتجاوز 80 مليار درهم لتنفيذ مشاريع مهيكلة، أبرزها "الطريق السريع تيزنيت - الداخلة" (1100 كلم) و"ميناء الداخلة الأطلسي" الاستراتيجي، الذي بلغت نسبة إنجازه مستويات متقدمة في 2026، ليصبح بوابة إفريقيا نحو الأطلسي.

كما تحولت الصحراء المغربية إلى "خزان عالمي" للطاقات المتجددة، من خلال استثمارات كبرى في الهيدروجين الأخضر والطاقة الريحية، ما جذب شركات دولية عملاقة (أميركية وأوروبية) استثمرت مليارات الدولارات تحت مظلة السيادة المغربية، مما جعل أي حل خارج إطار "الحكم الذاتي" ضرباً من الخيال الاقتصادي والسياسي.

وفي سياق متصل عزز المغرب موقفه من خلال المشاركة الكثيفة لساكنة الأقاليم الجنوبية في الاستحقاقات الانتخابية وتدبير شؤونهم المحلية عبر المجالس الجهوية المنتخبَة، وهو ما تعتبره واشنطن "التطبيق الفعلي والعملي" لروح تقرير المصير ضمن السيادة الوطنية.