أدب الأشواق والأسى في أعمال عبدالحكيم قاسم

'أديب القرية المصرية' مزج بين واقعية الريف المصري وفلسفة التصوف، مجسدا صراع الهوية والاغتراب بين الأصالة والحداثة بلغة شاعرية عميقة.

يُعد عبدالحكيم قاسم (1934 – 1990) "أديب القرية المصرية" بامتياز، فأعماله (مثل رواية "أيام الإنسان السبعة" 1969) تركِّز على تفاصيل الريف المصري، وتلاحم الفرد مع الجماعة في إطار الروحانيات وحلقات الذكر.

وقد برز اسم عبدالحكيم قاسم في الرواية والقصة القصيرة خلال فترة الستينيات والسبعينيات، وامتاز أسلوبُه بالسرد الكلاسيكي المتأني الذي يمزج بين الواقعية وبين الفلسفة الصوفية، مع اهتمام فائق باللغة الشاعرية التي تصف حياة أهل القرية المصرية.

إنه يركز على الصراع بين التقاليد والحداثة، وقسوة الغربة (خاصة تجربته في ألمانيا من عام 1974 وحتى 1985)، والبحث عن الخلاص الروحي. وتعد رواية "أيام الإنسان السبعة" من أشهر أعماله، فهي رواية صوفية اجتماعية ترصد حياة دراويش القرية المصرية عبر سبعة فصول (أيام). بطلها "عبدالعزيز" يكبرُ ويشبُّ بين عالم والده "الحاج كريم" (حيث حلقات الذكر والروحانيات) وعالم المدينة التي يدرس فيها، مما يخلق صراعًا بين الأصالة والاغتراب.

تتميز هذه الرواية لقاسم بلغة شاعرية مكثَّفة تغوص في التفاصيل النفسية والطقوس الريفية، وقد اختيرت ضمن أهم 100 رواية عربية لقدرتها على تخليد "صورة على وشك التلاشي" للريف. وفيها يبحث الكاتب عن هوية الفرد داخل الجماعة الدينية والريفية،

ولعل تجربة قاسم الألمانية ألقت بظلالها على أعماله حيث تعلو نبرة (الاغتراب والبحث عن الذات). لقد عاش قاسم في ألمانيا لأكثر من عقد من الزمان، وانعكس ذلك في أعماله حتى قبل السفر (خاصة روايته "محاولة للخروج" 1987) والتي كتبت قبل نشرها بعشرين عامًا، أي 1967، وهي من الروايات  التي اعتنت بمسألة الصدام الحضاري بين الشرق والغرب، وعند نشرها في الهيئة المصرية العامة للكتاب جاء على غلافها الخلفي: "محاولة للخروج.. رواية تجدّد العزف على وتر اللقاء بين الحضارات، ذلك اللحن الذي بدأه توفيق الحكيم، والآن يحاول الكاتب الكبير عبدالحكيم قاسم أن يبدع تنويعات أخرى جديدة على ذلك اللحن القديم بحيث يمزج فيها مزجًا فريدًا بين الذاتي والاجتماعي، متناولاً فترة حرجة وقاسية من فترات تاريخنا، تلك الفترة التي سبقت هزيمة 1967 مباشرة، وكانت إرهاصًا واضحًا لها".

غير أن ألمانيا لم تكن مجرد مكان لقاسم، بل كانت "محاولة للخروج" من أسر الريف المصري وجحيم الغرف المغلقة أو المقبضة (استدعاءً لاسم روايته "قدر الغرف المقبضة" 1982). لذا فإنه يناقش من خلال روايته اللقاء الصعب بين الثقافة الريفية المحافظة، والحرية الأوروبية، مبرزًا شعور الشخص "الغريب" الذي لا ينتمي تمامًا لأي من العالمين.

لقد حاول قاسم الربط في كتاباته بين الماركسية التي اعتنقها سياسيًّا وبين التصوف الذي ورثه روحيًّا، ليخلق حالة أدبية فريدة تسمى "أدب الأشواق والأسى"، وهو عنوان مجموعة قصصية له صدرت عام 1984.

ونستطيع القول إن عبدالحكيم قاسم أديب "جوَّاني" يبحث عن خلاص الفرد من قيوده، ولم يكن عنوان "محاولة للخروج" – سواء قبل سفره إلى ألمانيا أو بعده - مجرد عنوان اختاره لواحدة من رواياته المتميزة، بل يصلح تلخيصًا لحالته الجوَّانية التي يحاول نسفها والخروج إلى العالم الخارجي.

إن عبدالحكيم قاسم يكتب بلغة رأسية تغوص في العمق الروحي، وعليه فإننا نشمُّ فيها نفسًا صوفيًّا وتراثيًّا، فلغته ليست مجرد أداة توصيل، بل هي "حالة" تستمد مفرداتها من القرآن الكريم، وأوراد الصوفية، وحكاوي الجدات، لذا يميل الكاتب إلى السرد المتأني والجمل المترادفة التي تبني صورة مشهدية بطيئة، كأنها "لوحة زيتية" ترصد أدق تفاصيل الوجه الريفي، ونكاد نسمع فيها إيقاعًا حزينًا أو شجنًا يغلف كلماته، ويعكس مرارة الاغتراب وقسوة الحياة في القرية.

ونخلص من ذلك إلى أن لغة قاسم تطلب من قارئها "التأمل والسكينة" لفهم ما وراء اللفظ.

ونورد هنا مقطعًا يوضح "شجن الروح" عند عبدالحكيم قاسم.

يقول في رواية "أيام الإنسان السبعة": "كانت القرية ترقد في حضن العتمة، كأنها جسد أعياه السهر. وفي بيت الحاج كريم، كان صوت الذكر يرتفع خفيضًا ثم يعلو، ينساب مع رائحة البخور كأنه صلاة الأرض للسماء. لم تكن الكلمات مجرد حروف، بل كانت أرواحًا تتآلف لتصنع طوقًا من النجاة في بحر الليل الطويل."

هنا نلاحظ لغة حسّية، غارقة في الأجواء الصوفية، تهتم برسم "الحالة" النفسية والمكانية. وهي جملة نموذجية دالة تجعل القارئ يغمض عينيه ليتخيل ويسمع ويشم ويسبح في ملكوت الله.