دراما المعتقلين السورية تثير استياء الناشطين والجمهور
دمشق ـ أثار عرض أول ثلاثيتين من مسلسل "القيصر.. لا زمان لا مكان"، المعروف أيضًا باسم "سجون الشيطان"، موجة جدل واسعة في الأوساط الحقوقية والثقافية السورية، مع تصاعد انتقادات تتهم صُنّاع العمل بتحويل ملف المعتقلين إلى مادة درامية قبل أن تُكشف الحقيقة كاملة وتتحقق العدالة.
وبين من يرى في المسلسل محاولة لتوثيق الوجع، ومن يعتبره استثمارا عاطفيا في جراح لم تلتئم، انقسم الشارع السوري مجددًا حول سؤال: هل آن أوان الدراما؟
ويتألف المسلسل من عشر ثلاثيات منفصلة، أخرجه مصطفى صفوان نعمو بمشاركة مجموعة من الكتّاب، وتدور أحداثه حول الانتهاكات التي شهدتها السجون السورية منذ عام 2011 وحتى هروب الرئيس بشار الأسد أواخر 2024.
وبحسب الملصق التعريفي، يستند العمل إلى شهادات حقيقية من داخل المعتقلات، ويغوص في تفاصيل الحياة اليومية للسوريين تحت منظومة قمعية تسللت إلى البيوت والعلاقات ولقمة العيش.
وشكّلت الثلاثية الأولى المعنونة "درب الألم"، بؤرة الغضب الأكبر، بعدما تضمنت مشهدا يظهر فيه ضابط يحقق مع فتاة من حمص ويوجه عبارات مسيئة إلى الراحل عبدالباسط الساروت، أحد أبرز رموز الحراك الشعبي. المشهد الذي انتشر مقتطف منه على نطاق واسع، اعتبره كثيرون إساءة مباشرة لرمزية الساروت وتضحياته.
وتوالت ردود الفعل الغاضبة، وسط دعوات لمحاسبة القائمين على العمل، فيما أعلنت نقابة محامي حمص نيتها رفع دعوى قضائية. كما أصدرت رابطة عائلات "قيصر" بيانا شددت فيه على أن "قصص الضحايا أمانة تاريخية لا تُباع ولا تُشترى في سوق الإنتاج التلفزيوني"، محذرة من تحويلها إلى مادة ترفيهية قبل محاسبة المسؤولين.
واعتبرت الكاتبة والناشطة وفاء مصطفى في مقطع مصوّر أن طرح العمل في هذا التوقيت "يشغل السوريين عن غياب الحقيقة"، مشيرة إلى عدم وجود مسار واضح للعدالة الانتقالية أو لكشف مصير المخفيين قسرا. وقالت إن السوريين "لا يريدون دراما تبحث عن الحقيقة، بل يريدون الحقيقة نفسها".
من جهتها، حذّرت الكاتبة والمعالجة النفسية ريما فليحان من الاقتراب من "وجع الناس وجرحهم المفتوح" دون معالجة نفسية دقيقة للنصوص، مؤكدة أن استخدام الدراما في مسارات العدالة الانتقالية يتطلب حساسية عالية حتى لا يُعاد تفعيل الصدمة الجماعية.
وقال المخرج عروة الأحمد، أن مشاهد الاعتقال والتعذيب لم تحرك فيه شيئًا، واصفًا النص بأنه "متاجرة رخيصة وابتزاز عاطفي"، ومشيرا إلى أن تعقيد التجربة السورية لا يُختزل في شتائم عابرة أو مشاهد صادمة.
في المقابل، نفى المخرج مصطفى صفوان نعمو ما تردد عن إيقاف عرض المسلسل، مؤكدا في تصريحات صحفية أن فريق العمل لم يتبلغ بأي قرار رسمي من منصة "شاشا"، وأن التصوير انتهى منذ مدة. وأضاف، "نحن لا نزعم امتلاك الحقيقة، لكننا نحاول فتح نافذة على قصص لم تُروَ بعد. التمثيل ليس توثيقًا حرفيًا، بل إعادة خلق فني للواقع".
وردا على الجدل بشأن مشهد الساروت، أوضح نعمو أن المشهد يعكس ما كان يُقال داخل المعتقلات، وأن تجسيده لا يعني تبني تلك الإساءات. وقال "المشاهد تمثل خطاب الجلاد، لا موقف العمل. علينا أن نميّز بين الشخصية الدرامية وصانعها".
ولم يقتصر الجدل على الجمهور، بل امتد إلى داخل فريق العمل نفسه. وكشف الكاتب زهير الملا أن ثلاثية "درب الألم" تضمنت في نسختها الأصلية مشاهد تُشتم فيها شخصية بشار الأسد، إلا أنها حُذفت لاحقا. وأشار إلى أن الفكرة الأولى كانت كتابة ثلاثية كاملة عن الساروت، غير أن تعقيد الشخصية وحاجتها إلى معالجة مطولة حالا دون ذلك.
وقال الملا، إن النص خضع لتعديلات رقابية طالت اللغة وبعض التفاصيل، خاصة ما يتعلق بلهجة الساحل، بهدف "الحفاظ على السلم الأهلي". وأضاف "كنت أطمح لنص متوازن يلامس الجرح دون استغلاله، لكن السعي لمواكبة الترند أخل أحيانا بالتوازن".
من جهته، نفى حذف أي مشاهد تتضمن شتائم موجهة للنظام، معتبرا أن ما يُتداول سببه التباس بين ثلاثيات مختلفة، ومشددا على أن العمل لا يسعى لتبييض أي جهة.
ومنذ الإعلان عن المشروع، أثار اختيار اسم "القيصر" حساسية خاصة، نظرا لارتباطه بقضية الضابط المنشق الذي سرّب صور ضحايا التعذيب، والتي أدت إلى فرض عقوبات دولية.
ورغم تأكيد لجنة الرقابة سابقا أن المسلسل غير مرتبط مباشرة بالقضية، فإن استخدام الاسم ظل نقطة خلافية.
وكانت "اللجنة الوطنية للدراما" قد أعلنت في فبراير/شباط 2025 إيقاف العمل مؤقتا وإعادة النظر في اسمه وقائمة المشاركين فيه، استجابة للاعتراضات الشعبية. غير أن العرض انطلق لاحقًا بعد تعديلات، ما أعاد الجدل إلى الواجهة.
ويعتمد المسلسل على بنية ثلاثيات مستقلة، لكل منها حكاية وشخصيات مختلفة، لكنها تتقاطع جميعا داخل فضاء السجن. يتنقل السرد بين زنازين التحقيق، ومكاتب الضباط، وبيوت الأهالي، ليعرض شبكة من الخوف والابتزاز والانكسارات اليومية.
ودفعت كثافة مشاهد التعذيب، واستخدام الموسيقى التصاعدية، والمبالغة في بعض الانفعالات، نقادا إلى اعتبار العمل أقرب إلى “صدمة بصرية” منه إلى معالجة إنسانية معمقة.
في المقابل، يرى مؤيدون أن كسر الصمت حول ما جرى ضرورة، حتى لو جاء عبر الدراما، وأن تجاهل الألم لا يخدم العدالة. ويشير هؤلاء إلى أن الفن كان دائمًا وسيلة لمساءلة السلطة وتوثيق الذاكرة الجمعية.
ويبقى السؤال معلقا، هل يمكن للفن أن يسبق العدالة؟ وهل تسهم الدراما في حفظ الذاكرة أم في تشتيت المطالبة بالحقيقة؟ في ظل استمرار معاناة آلاف العائلات التي تجهل مصير أبنائها، يبدو أن أي معالجة فنية لهذا الملف ستظل محاطة بحساسية عالية.

