السردية الإسرائيلية والدراما المصرية
القاهرة- منح تعليق الناطقة العربية باسم الجيش الإسرائيلي إيلا واوية على المسلسل المصري "صحاب الأرض" زخما سياسيا مضاعفا للعمل. حيث وجهت انتقادات للفكرة الرئيسية التي يتطرق إليها. وهي بشاعة الانتهاكات التي قامت بها قوات الإحتلال في قطاع غزة. وحاولت إيلا العودة إلى سردية إسرائيل المركزية. وهي أن الإجراءات التي اتخذتها انطلقت من الدفاع عن النفس.
أدى ما كتبته إيلا واوية على صفحتها على منصة "إكس" يوم الأربعاء إلى استفزاز مخرج المسلسل المصري بيتر ميمي. ورد عليها بأن "صحاب الأرض" يوثق للحقيقة التي حدثت. وينقل مشاهد معبرة لما واجهه فلسطينيو غزة.
حفلت مواقع التواصل الاجتماعي بتعليقات عديدة منذ الإعلان عن مضمون العمل وقبل عرضه بأيام. زاد تفاعل وسائل الإعلام في إسرائيل ودول عدة بعد عرض بضعة حلقات منه على قنوات مصرية. ونشب ما يشبه المعركة على مواقع التواصل بين مصريين وإسرائيليين. كل فريق يدافع عن وجهة نظره.
يصعب التعامل مع مسلسل "صحاب الأرض" على أنه عمل فني- درامي. إذ نقل وجهة نظر سياسية تتبناها مصر. تخص رفض الممارسات التي قامت بها إسرائيل ضد سكان غزة، التي لن تفلح في اقتلاعهم من جذورهم، لأنهم أصحاب الأرض الحقيقيين. وهي فكرة محورية في العمل جرى التطرق إليها بأشكال مختلفة لخدمتها بطريقة ناعمة، وتسهيل عملية وصولها لأكبر شريحة من المتلقين في العالم.
درجت مصر على توظيف الدراما في خدمة بعض القضايا السياسية. وطرحت ملفات شائكة حول علاقتها بإسرائيل. وسبق "صحاب الأرض" مسلسلي "دموع في عيون وقحة" و"رأفت الهجان". وتناول كلاهما الصراع الخفي بين الجانبين. وكيف لعب جهاز المخابرات المصرية دورا في التغلغل داخل المجتمع الإسرائيلي. وأنه بات مكشوفا أمام القاهرة. ونجحت هذه الفكرة في خلق صورة أسطورة عن الأجهزة الأمنية في مصر. تملك قدرات خارقة. يمكنها الوصول إلى الأماكن السرية.
عالج المسلسل المصري "مليحة" الذي عرض العام الماضي بعدا إنسانيا في الصراع غير المعلن. عزز القناعات بالعلاقة الوثيقة بين مصر وقطاع غزة. الأمر الذي لمسه بوضوح مسلسل "صحاب الأرض" من خلال قصة عاطفية ربطت بين طبيبة مصرية قامت بدورها الفنانة منة شلبي وشاب فلسطيني قام بدوره الفنان الأردني إياد نصار. لتأكيد أن الممارسات التي قامت بها إسرائيل في غزة لن تتمكن من فصلها عن القاهرة.
وذلك في سياق القضية المهمة التي تطرحها مصر والمتعلقة بأن القطاع جزء أساسي من الأمن القومي المصري ولن يتم التفريط فيه والاستسلام لرؤية إسرائيل الساعية لتهجير سكانه. بما يوحي أن الجولة التي انتهت بفشل مشروع التهجير لا تعني توقفه.
ما أزعج إيلا واوية ورفاقها أن العمل الدرامي يجهض ما حاولت إسرائيل ترويجه في أثناء الحرب على غزة بشأن قيام مصر بفرض حصار إنساني على القطاع. في محاولة لابعاد الاتهامات التي لاحقت إسرائيل طوال الحرب من قبل منظمات دولية وأنها مسؤولة وحدها عن الحصار الذي يطوق غزة. ومعبر رفح الحدودي مفتوح من الجهة المصرية ومغلق من جهة غزة التي تسيطر عليها قوات الإحتلال.
كما أن استخدام بعض الوقائع التي حدثت في خضم الحرب منح العمل مصداقية عالية. فهناك مواقف حصلت بالفعل يعرف كثيرون تفاصيلها وجرى تقديمها في السياق الدرامي. وما أضفى مصداقية كبيرة على العمل قيام شخصيات حقيقية كانت طرفا في بعض الأحداث بسردها وتأكيدها من خلال مواقع التواصل الاجتماعي.
لم تترك إسرائيل الساحة الفنية واشتكبت معها بطريقة إيجابية. حيث أنتجت نتفليكس فيلما بعنوان "الملاك" ويتناول وجهة نظر قريبة لرؤية تل أبيب في السياسي المصري أشرف مروان، باعتباره عميلا إسرائيليا وليس مصريا.
ومع أن الفيلم ترك الباب مفتوحا لتأويلات عدة، لكن طريقة التناول بدت قريبة مما روجه جهاز الموساد. والغرض أن الفن أصبح أداة من أدوات الصراع بين الدول. ولم تعد الحرب المباشرة بصورتها العسكرية هي الوحيدة الكاشفة عن الخصومة.
منذ توقيع اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل عام 1979 وانتهت الحرب بصورتها التقليدية بين البلدين. لكن نشبت حروب من نوع آخر. بينها استخدام الفن والإعلام ضمن أدوات الصراع الخفية. من أجل إبراز الرؤية التي يريدها كل طرف.
ووسط الحرب على غزة، نكأت إسرائيل عبر وسائل الإعلام بعض الجروح العسكرية والسياسية. وتعمدت توصيل رسائل غاضبة للقاهرة والتحريض عليها في ملف تكثيف المعدات العسكرية الثقيلة بمنطقة سييناء، وزيادة انتشار القوات المصرية فيها. بحجة أنها لا تنسجم مع مقتضيات السلام الموقع عليه بينهما برعاية أميركية. وتجاهلت إسرائيل حشودها على معبر صلاح الدين (فيلادلفيا) بما لا يتسق أيضا مع بنود اتفاقية السلام التي وقعتها مع مصر في كامب ديفيد.
امتصت مصر الكثير من الاتهامات التي وجهت إليها وقت الحرب. وردت على غالبيتها بشكل مباشر عبر مسؤولين معروفين أو مصادر أمنية لم تفصح عن أسمائها. وتجاهلت بعضها بحسبانه دعاية سوداء لا يجب الاكتراث بها. حيث تريد إسرائيل ترسيخ صورة ذهنية سلبية عن مصر. وتخفيف الضغوط الإنسانية على الحكومة اليمينية في تل أبيب. وتبرير ما قامت به قوات الإحتلال من انتشار عسكري واسع في جنوب قطاع غزة القريب من الحدود البرية مع مصر.
جاء تقديم مسلسل "صحاب الأرض" ليستكمل الرواية المصرية نحو غزة. وكان إبراز المكونات الإنسانية فيه جزءا من السياسة الرامية إلى فضح ما قامت به إسرائيل والتأثير في وجدان الناس. توثيق مقاطع رئيسية فيها لتشاهدها الأجيال المقبلة. وهو توجه يجهض ما سعت إسرائيل إليه من خلال تعزيز سرديتها الخاصة بأن الصراع بدأ مع عملية طوفان الأقصى منذ حوالي ثلاثة أعوام وليس قبل ذلك بعقود طويلة.
حوى تعليق إيلا واوية الكثير من المعاني السياسية التي ترفضها تل أبيب. وعكس غضبا واسعا داخل النخبة العسكرية. فإن لم يتمكن من إزالة ما تم ترويجه عما حدث في غزة من وجهة نظر إسرائيل سيكون سببا في مراجعتها. الفن من الأدوات المرنة التي تستطيع التسلل إلى عقل الجمهور داخل مصر وخارجها.
تسهم ترجمة الإنكليزية المرفقة على الشاشة لمسلسل "صحاب الأرض" في مزيد من انتشاره. وأن الجمهور المستهدف ليس عربيا فقط . فضلا عن قدرته المحتملة على إحداث إزعاج داخل إسرائيل وما سيؤدي إليه من كشف لتناقضات مجتمعية لوجود أكثر من مليوني فلسطيني يحملون جنسيتها، وعمت حكومتها أنهم منحازون لرؤيتها.
يشير الصدى الواسع الذي أحدثه مسلسل "صحاب الأرض" إلى أهمية الدراما في خدمة السياسة. وقد يمنحها بريقا في المستقبل عند تقديم قضايا أخرى.عبّرت الانتقادات التي وجهت للعمل عن وجود قلق في إسرائيل من هذا العمل. وأن الإنفاق على مسلسل واحد وتقديمه بصورة جيدة ومتكاملة فنيا وسياسيا يصبح أفضل من دفع ملايين الدولارات على وسائل إعلام لا يتعدى تأثيرها القائمين عليها.



