سلماوي يكتب رواية النخبة، وطوبيا يكتب رواية الشعب والهامش
ينطلق كلٌّ من الكاتبين مجيد طوبيا ومحمد سلماوي من خلفية ثقافية وأسلوبية مغايرة تمامًا، حيث تتسم روايات سلماوي بالنفحة الدبلوماسية والسياسية الواضحة؛ فهو يمزج بين الواقعية والتسجيلية التاريخية، كما في رواية "الخرز الملوّن" (1990) – على سبيل المثال - التي تؤرخ للصراع العربي الإسرائيلي عبر عدسة إنسانية. ويميل أسلوبه إلى الأناقة اللغوية والانضباط الهيكلي، وغالباً ما تشتبك نصوصه مع قضايا الهوية الوطنية والتحولات الكبرى في المجتمع المصري المعاصر بوعي "المثقف العضوي".
أما مجيد طوبيا (1938 – 2022) فيُعدُّ واحدًا من روَّاد التجريب الذين مزجوا بين الفانتازيا والواقعية الشعبية؛ حيث تمتاز أعماله (مثل "تغريبة بني حتحوت إلى بلاد الشمال، حيث الملاحم العظيمة والحوادث الجسيمة وخوض الأقوال وانقلاب الأحوال
وتسلط الفار على القط وركوع الأسد للقرد 1988) بروح الساخر الذي يواجه مآسي التاريخ بالتهكم المُر.
ينحاز طوبيا إلى الهامش الشعبي والصعيد، ويستخدم لغة تتسم بالبساطة الخادعة والتدفق الفطري، مع قدرة فائقة على تحويل الحكايات الشعبية إلى ملاحم إنسانية تتجاوز الزمان والمكان.
وبينما يكتب سلماوي رواية "النخبة والمواقف الكبرى" بأسلوب محكم، يكتب طوبيا رواية "الشعب والهامش" بأسلوب يمزج بين الواقع والأسطورة.
إن سلماوي يستخدم "السرد المتماسك". جملته قصيرة، رشيقة، تميل إلى الوضوح الصحفي الرفيع. يعتمد على بناء المشهد الدرامي المتصاعد (تأثرًا بخلفيته المسرحية)، حيث تتحرك الشخصيات في إطار زمن خطي غالبًا، مع اهتمام فائق بالدقة التاريخية. أما مجيد طوبيا فيستخدم "السرد الحلزوني"، ويكسر خطية الزمن، وينتقل بسلاسة بين الحلم والواقع. لغته مشبعة بالمفردات العامية المصرية الفصيحة، ويعتمد تقنية "الحكواتي"؛ حيث يشعر القارئ أن هناك راويًا يجلس معه ليحكي أساطير تتداخل فيها الحقيقة بالخيال.
البطل عند سلماوي هو "المثقف أو الفرد المأزوم" الذي يجد نفسه في مواجهة تحولات سياسية كبرى (ثورة، حرب، صراع قوى). إنه بطل يحاول فهم العالم وتغييره. أما عند طوبيا فالبطل هو "الإنسان الفطري" أو الصعيدي البسيط الذي يواجه عبثية القدر أو استبداد السلطة بالصبر والسخرية. بطل طوبيا (مثل حتحوت) لا يحلل السياسة، بل يعيش تبعاتها بجلَد أسطوري.
يؤمن سلماوي بـ "التنوير"؛ والرواية عنده وسيلة لتوثيق الذاكرة الوطنية وتقديم رؤية عقلانية للواقع، بينما يؤمن طوبيا بـ "العبث والقدرية"؛ والرواية عنده رحلة لاكتشاف روح الشعب المصري التي لا تتغير مهما تغيَّر الحكام، وهو ما يفسر لجوءه للفانتازيا لتجاوز قهر الواقع.
في "تغريبة بني حتحوت (1988)" لطوبيا يكون المنطلق الزماني رحلة عبر تاريخ مصر (نهاية القرن 18). بينما تكون الرحلة في "الخرز الملوّن 1990" لسلماوي عبر تاريخ مصر المعاصر (من الأربعينيات حتى السبعينيات).
بطل "حتحوت" شابٌ ريفي بسيط، يمثل الروح المصرية العابرة للعصور، مدفوع بالقدر والصدفة. بينما "ليلى وهاني" في "الخرز الملون" مثقفان ينتميان للطبقة الوسطى/العليا، ويواجهان أسئلة الهوية والالتزام القومي.
يعتمد طوبيا على الحكايات الشعبية والمواقف الساخرة التي تبدو غير معقولة لكنها واقعية جدًّا في دلالتها. بينما يعتمد سلماوي على الوثيقة، والأحداث السياسية الحقيقية، والاشتباك المباشر مع القضية الفلسطينية والحروب ("السماء الثامنة" 2026 على سبيل المثال).
أما عن اللغة عند طوبيا فهي لغة "شطَّارية" (المنسوبة إلى الشطَّارين) مليئة بالحيوية الشعبية والتهكم المبطن، بينما اللغة عند سلماوي لغة "راقية" تتسم بالدبلوماسية والعمق الفلسفي والوضوح الدرامي.
عند مجيد طوبيا؛ التغريبة هي رحلة "بحث عن الذات" وسط ركام القهر العثماني والفرنسي. وهو لا يريد تأريخ الأحداث بقدر ما يريد تأريخ "المزاج المصري" وقدرته على السخرية من الجلاد، والرواية هنا هي "ملحمة شعبية". أما عند سلماوي، فـ "الخرز الملوّن" هي محاولة لجمع "شتات الهويّة". فشظايا "الخرز الملون" تعد إشارة لتعدد الرؤى والانتماءات. سلماوي يريد أن يفهم كيف تشكلت السياسة المصرية الحديثة من خلال قصص الحب والمواقف النضالية، وبالتالي تصبح الرواية عنده بورتريهًا سياسيًّا واجتماعيًّا.
عند طوبيا سنجد المرأة هي "الأرض والخصوبة"، سواء في "تغريبة بني حتحوت" أو غيرها، إنها تظهر كقوة فطرية محرّكة. هي ليست مجرد حبيبة، بل هي الحامية للذاكرة والمنبع الذي يستمد منه البطل قوته. ونلاحظ أن نساء طوبيا يَمْتزنَ بالصلابة والقدرة على التحمل، ويرسمهن بملامح تقترب من الأسطورة أو "إيزيس" الشعبية التي تجمع أشلاء البطل.
أما المرأة عند سلماوي فلديها رصيد كبير من "الوعي والتحول". وعلى سبيل المثال في "الخرز الملوّن"، نجد ليلى شخصية مثقفة، فاعلة سياسيًّا، ولها صوت مستقل. إن المرأة عند سلماوي ليست مجرد رمز للأرض، بل هي شريك في الحوار الفكري والصدام مع السلطة. هي امرأة "مودرن" (حديثة) حتى وإن كانت في سياق تاريخي، تعبر عن أزمة التحرر الاجتماعي والسياسي.
غالبًا ما تنتهي روايات طوبيا بنوع من "الاستمرار رغم المأساة". البطل قد لا ينتصر سياسيًّا، لكنه ينتصر إنسانيًّا ببقائه حيًّا وقادرًا على الحكي. وعلى ذلك تشبه النهاية عنده الحكايات الشعبية التي لا تنتهي، بل تتكرر مع جيل جديد، مما يعكس إيمانه بأن الشعب المصري "نهر خالد" لا يتوقف.
أما سلماوي فيميل إلى النهايات التي تضع النقاط على الحروف أو تترك القارئ أمام "لحظة تنوير". النهاية عنده تكون نتيجة حتمية للصراعات السياسية والفكرية التي طُرحت في الرواية. هي نهايات "مسرحية" بامتياز، حيث ينكشف المصير النهائي للأبطال في ضوء الأحداث التاريخية الكبرى.
إذا وضعنا الكاتبين في كفتي ميزان، سنجد أن طوبيا هو "شاعر الرواية" الذي يكتب بقلب فلاح وفيلسوف ساخر، إنه يشبه الفلاح الفصيح إن لم يكن هو، بينما سلماوي هو "مؤرخ الوجدان" الذي يكتب بعقل مفكر وسياسي رفيع.
وليس هناك شك في أن "الجغرافيا هي القدر" في عالم الأدب. فالمكان الذي ينبت فيه الكاتب ليس مجرد خلفية للأحداث، بل هو "المختبر" الذي تُعجن فيه شخصيته، وتتشكل فيه رؤيته للعالم ولغته السردية.
مجيد طوبيا نشأ في المنيا بصعيد مصر، وهذه النشأة جعلت قصصه مشبَّعة بروح النيل، وصبر الفلاحين، والقدرية الجميلة، فالصعيد عنده ليس مجرد مكان، بل هو مخزن للأساطير. إنها بيئة بعيدة عن صخب المركز (القاهرة) جعلته يركز على "الإنسان المُهمل" الذي يصنع تاريخه الخاص بعيدًا عن كتب التاريخ الرسمية. وهو ما منحه تلك السخرية المُرة كأداة للمقاومة.
أما سلماوي فقد نشأ في القاهرة وانخرط في العمل الثقافي والدبلوماسي والصحفي في قلب العاصمة جعله "ابن المؤسسة" بالمعنى المعرفي. هو يرى التاريخ من الشرفات العالية، ومن خلال الوثائق والاجتماعات والتحولات الكبرى.
إن بيئة القاهرة المنفتحة على العالم جعلت روايات سلماوي "كوزموبوليتانية" (متعددة الثقافات)، تهتم بحوار الحضارات، والصراع مع الآخر، وتأثير القرار السياسي على حياة الأفراد.
ونخلص من ذلك إلى أن طوبيا ينظر إلى مصر من "أسفل إلى أعلى" (من القرية والناس نحو السلطة)، فيرى العبث والضحك والأسطورة، بينما سلماوي ينظر إلى مصر من "الداخل نحو الخارج" (من قلب الحدث السياسي نحو آثاره الاجتماعية)، فيرى الدراما والتحول والهويّة.
ولا شك أن الموهبة الفردية هي التي طوعت هذه البيئات؛ فطوبيا لم يغرق في "الإقليمية أو المحلية" بل جعل قريته عالمية، وسلماوي لم يغرق في "التقريرية الصحفية" بل جعل التحولات السياسة أدبًا رفيعًا.