أربيل تنأى بنفسها عن نيران الصراع الاقليمي

قادة إقليم كردستان يراهنون على أن تثبيت خطاب الحياد وتعزيز التعاون الأمني مع بغداد وطهران، قد يشكلان صمام أمان يمنع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.

أربيل - أكد رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني أن الإقليم "لن يكون طرفاً في الصراعات" الدائرة في المنطقة، وذلك خلال اتصال هاتفي تلقاه من وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية وفي خضم عاصفة إقليمية تتسع دوائرها يوما بعد آخر، معلنا أن أربيل اختارت أن ترفع لافتة واضحة وهي النأي بالنفس عن النزاع الدائر في المنطقة.

وجاء التصريح فيما تتزاحم المسيّرات والصواريخ في سماء المنطقة، مع استمرار الهجوم المشترك الذي تشنه إسرائيل والولايات المتحدة على إيران منذ 28 فبراير/شباط الماضي، والذي أودى بحياة مئات الأشخاص، بينهم المرشد الإيراني علي خامنئي ومسؤولون أمنيون. وفي المقابل، ترد طهران بإطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه إسرائيل ومصالح أميركية في دول المنطقة.

اتصال في توقيت بالغ الدلالة

وبحسب بيان لرئاسة الإقليم نقلته وكالة الأنباء العراقية، ناقش الجانبان "آخر التطورات في المنطقة"، مؤكدين أهمية الحفاظ على السلام والاستقرار. كما جددا التزامهما بأمن الحدود ومنع أي محاولة لزعزعة الاستقرار أو استغلال الأراضي الحدودية لتوسيع رقعة المواجهة.

وشدد بارزاني خلال الاتصال على أن إقليم كردستان سيبقى "عاملاً للسلام كما كان دائماً"، داعماً للجهود الدبلوماسية الرامية إلى نزع فتيل التوترات وإبعاد شبح الحرب عن شعوب المنطقة.

وفي خطوة تعكس حرصا على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة، قدم تعازيه بمقتل خامنئي ومسؤولين ومدنيين إيرانيين، مؤكداً رغبة الإقليم في الحفاظ على علاقات ودية مع طهران وتعزيز التعاون معها.

في المقابل، اعتبر عراقجي أن العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران يخلق حالة انعدام أمني واسعة النطاق، ذات تداعيات إقليمية وعالمية، محملا واشنطن وتل أبيب المسؤولية الكاملة، مشيرا إلى أن الهجمات وقعت بينما كانت المفاوضات النووية جارية، معتبرا ذلك دليلاً على ما وصفه بـ"التحريض والحرب المبنية على الأكاذيب".

أربيل تحت ضغط النار

وإعلان أربيل النأي بالنفس لم يأت من فراغ، بل في ظل وقائع ميدانية تضعها في قلب العاصفة، فقد شهدت المدينة خلال الأيام الماضية دوي انفجارات متكررة نتيجة هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت مقر القنصلية الأميركية ومطار أربيل الدولي، الذي يضم قاعدة لقوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة.

وأفاد مراسل الأناضول بتفعيل أنظمة الدفاع الجوي بالتزامن مع بدء الهجمات، مؤكداً تحييد عدد من المسيّرات، فيما أُصيب شخص واحد جراء سقوط أجزاء من طائرات مسيّرة في منطقة مأهولة. كما تعرض المطار في مطلع مارس/آذار لانفجار أعقبه حريق.

وفي تطور آخر، أعلن فصيل عراقي شيعي يُعرف باسم "المقاومة الإسلامية – سرايا أولياء الدم" مسؤوليته عن هجوم بطائرات مسيّرة استهدف فندقاً في أربيل قال إنه يضم جنوداً أميركيين. وتضع هذه الهجمات الإقليم في موقع بالغ الحساسية، إذ يتحول إلى ساحة رسائل متبادلة بين أطراف الصراع، رغم إعلانه الحياد.

حسابات الجغرافيا والسياسة

ويقع إقليم كردستان في نقطة تماس جيوسياسية دقيقة، بين إيران وتركيا وسوريا، ويحتضن وجوداً عسكرياً للتحالف الدولي بقيادة واشنطن. وفي الوقت ذاته، تربطه علاقات اقتصادية وأمنية متشابكة مع طهران، لا سيما في ما يتعلق بأمن الحدود وملاحقة الجماعات المسلحة.

والتقارير الأميركية التي تحدثت عن محاولات واشنطن تسليح جماعات كردية مسلحة ضد إيران زادت من حساسية الموقف، إذ تسعى أربيل إلى تجنب أن تتحول أراضيها إلى منصة انطلاق لأي عمل عسكري أو أمني ضد الجارة الشرقية. ومن هنا جاء التشديد المشترك خلال الاتصال على تفعيل مذكرة التفاهم الخاصة بالتعاون الأمني بين إيران والعراق، بهدف منع أي طرف ثالث من استغلال المنطقة.

في هذا السياق، يبدو موقف أربيل محاولة دقيقة للموازنة بين شراكتها الأمنية مع الولايات المتحدة، وعلاقاتها السياسية والاقتصادية مع إيران، في وقت تتآكل فيه المساحات الرمادية في الإقليم، فالحرب الجارية لا تترك كثيراً من الخيارات الوسطية، وتضغط على الفاعلين المحليين لتحديد مواقعهم بوضوح.

بين الحياد والاختبار

ومنذ اليوم الأول للهجمات على إيران، لم تخلُ سماء أربيل من أزيز المسيّرات أو أصوات الدفاعات الجوية. ومع كل انفجار، يتجدد اختبار قدرة الإقليم على التمسك بخيار النأي بالنفس، فالهجمات على "مصالح أميركية" داخل أراضيه، حتى وإن لم يكن طرفاً فيها، تضعه موضوعياً ضمن خارطة المواجهة.

ومع ذلك، يراهن قادة الإقليم على أن تثبيت خطاب الحياد، وتعزيز التعاون الأمني مع بغداد وطهران، قد يشكلان صمام أمان يمنع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، فالرسالة التي أراد بارزاني إيصالها واضحة: كردستان ليست ساحة لتصفية الحسابات، ولن تكون طرفاً في حرب تتجاوز حدودها.

غير أن تطورات الميدان تبقى عاملاً حاسماً، فاستمرار العدوان على إيران وتواصل الردود الصاروخية والمسيّرة، واتساع نطاق الاستهداف ليشمل قواعد ومصالح في دول المنطقة، كلها مؤشرات على صراع مفتوح على احتمالات متعددة. وفي قلب هذه المعادلة، تحاول أربيل أن تمشي على خيط دقيق بين العاصفة، محافظة على توازنها في إقليم يشتعل.