اغراق واشنطن فرقاطة إيرانية يوسع الحرب خارج الخليج
واشنطن - اتسعت رقعة الحرب بين الولايات المتحدة وإيران الأربعاء، إلى ما هو أبعد من مياه الخليج ومضيق هرمز، بعدما أعلنت واشنطن أن غواصة أميركية أغرقت سفينة حربية إيرانية قبالة سواحل سريلانكا، في تطور وصف بأنه الأخطر منذ بدء المواجهة قبل خمسة أيام.
وقال وزير الدفاع الأميركي بيت هيجسيث إن غواصة أميركية أطلقت طوربيداً أصاب الفرقاطة الإيرانية 'دينا' في المياه الدولية جنوب سريلانكا، ما أدى إلى غرقها. ووفق مسؤولين سريلانكيين، تم إنقاذ 32 بحارا وانتشال 87 جثة، بينما لا يزال نحو 60 في عداد المفقودين من أصل طاقم يقدَّر بنحو 180 فرداً.
وبذلك، يرتفع عدد القتلى في هذه الواقعة وحدها إلى 80 على الأقل، في حادثة تعد الأولى من نوعها منذ الحرب العالمية الثانية التي تُغرق فيها غواصة سفينة حربية في هذا النطاق الجغرافي البعيد عن مسرح العمليات التقليدي في الخليج.
وتزامن التطور البحري مع إعلان حلف شمال الأطلسي اعتراض صاروخ باليستي إيراني اتجه نحو تركيا، في أول انخراط مباشر لأنقرة في الصراع. ورغم أن تركيا تمتلك ثاني أكبر جيش داخل الحلف، فإن هيجسيث أوضح أنه لا توجد مؤشرات على تفعيل بند الدفاع الجماعي، في محاولة لاحتواء اتساع المواجهة إلى إطار أطلسي شامل.
ميدانياً، واصلت الولايات المتحدة وإسرائيل هجماتهما لليوم الخامس على التوالي. وقال هيجسيث في إفادة صحفية إن بلاده "تفوز في هذه الحرب"، مضيفاً أن المواجهة "لم يكن المقصود منها أن تكون عادلة، وهي ليست عادلة"، مؤكداً أن الدفاعات الجوية الأميركية ودفاعات الحلفاء "وفيرة" وأن واشنطن قادرة على مواصلة القتال "لأطول فترة تحتاجها".
من جهته، أعلن رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة الجنرال دان كين أن وتيرة إطلاق الصواريخ الإيرانية انخفضت مع استمرار الضربات، مشيراً إلى أن القدرات العسكرية الإيرانية تراجعت بشكل حاد مع توسع الضربات نحو الداخل الإيراني.
وأعلن الجيش الإسرائيلي أنه قصف مجمعاً أمنياً في شرق طهران يضم مقرات أجهزة أمنية عدة، بينها الحرس الجمهوري والمخابرات ووحدات الحرب الإلكترونية والشرطة المسؤولة عن قمع الاحتجاجات. كما أصدر أمراً بإخلاء مناطق في جنوب لبنان، مطالباً السكان بالانتقال شمال نهر الليطاني، في ظل تصعيد واسع مع حزب الله المدعوم من إيران.
مرحلة انتقالية في طهران
سياسياً، تتجه الأنظار إلى طهران حيث أعلن مجلس الخبراء، المكلف باختيار المرشد الأعلى، أنه سيحدد "قريباً" هوية الزعيم الجديد، في ثاني مرة فقط يُعلن فيها عن مثل هذا القرار منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية عام 1979.
وكان المرشد علي خامنئي (86 عاماً) قد قُتل في غارة إسرائيلية السبت، في أول عملية اغتيال لزعيم بهذا الثقل بضربة جوية. وأفادت وسائل إعلام رسمية بتأجيل مراسم تشييعه، وسط دوي انفجارات جديدة في العاصمة.
وبحسب مصدرين إيرانيين، لم يكن نجله مجتبى خامنئي في طهران أثناء الغارات التي أودت أيضاً بحياة زوجة المرشد وأحد أبنائه وعدد من القادة العسكريين. ويبدو أن مجتبى يُعد المرشح الأوفر حظاً لخلافة والده، في خطوة قد تعكس استمرار هيمنة التيار المتشدد على مفاصل السلطة. ومن بين الأسماء المطروحة أيضاً حسن خميني، حفيد مؤسس الجمهورية الإسلامية وأحد وجوه التيار الإصلاحي، وإن كان يُنظر إليه على أنه أقل حظاً.
وأعلن آية الله أحمد خاتمي، عضو مجلس الخبراء، أن المرشحين تم تحديدهم بالفعل، مؤكداً أن القرار بات وشيكاً رغم "وضع الحرب" الذي تعيشه البلاد. في المقابل، قالت إسرائيل إنها ستلاحق أي شخص يتم اختياره.
مجتمع تحت القصف
وعلى الأرض، تتباين ردود الفعل داخل إيران، فقد احتفل بعض الإيرانيين علناً بوفاة خامنئي، الذي شهد عهده قمعاً واسعاً للاحتجاجات، غير أن آخرين استبعدوا خروج مظاهرات جديدة في ظل استمرار القصف. وقالت فرح (45 عاماً) من طهران إن الخوف على الأطفال والسلامة الشخصية يتقدم على أي رغبة في الاحتجاج، مشيرة إلى انتشار الحرس الثوري وقوات الباسيج في الشوارع.
ورغم تحفظات بعض الدول الأوروبية على الحرب، فقد وجدت نفسها منجذبة عسكرياً إلى المنطقة لحماية مواطنيها ومصالحها. وأعلنت بريطانيا وفرنسا أنهما ستستخدمان قواتهما البحرية والجوية للتصدي لأي رد إيراني محتمل، بينما نقلت اليونان طائرات وسفناً حربية إلى قبرص المجاورة.
ومع انتقال المواجهة إلى مياه بعيدة عن الخليج، واعتراض صواريخ فوق أجواء دولة أطلسية وتبدل ملامح القيادة في طهران، تبدو الحرب وقد كسرت حدودها التقليدية، فاتحة فصلا جديدا أكثر اتساعاً وتعقيداً في صراع تتشابك فيه الجغرافيا بالطاقة والسياسة بالأمن العالمي.
في موازاة ذلك، يستمر الشلل في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز لليوم الخامس على التوالي، مع بقاء ما لا يقل عن 200 سفينة راسية قبالة السواحل، وفق تقديرات رويترز، في ظل مخاوف أمنية وتوقف تدفقات النفط والغاز الحيوية من الشرق الأوسط. وتعهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتوفير التأمين والمرافقة البحرية للسفن المصدّرة للطاقة لكبح جماح ارتفاع الأسعار، غير أن الأسواق لم تبدُ مطمئنة.
وقد تحولت الخسائر في الأسواق العالمية إلى موجة بيع حادة في آسيا، شملت انهياراً غير مسبوق في بورصة سيول، بينما اتجهت الأسواق الأوروبية لاحقاً نحو الاستقرار، بل وحققت بعض المكاسب أملاً في أن تكون الحرب قصيرة الأمد. وساهم تقرير نشرته صحيفة 'نيويورك تايمز' حول تواصل استخباراتي إيراني مع وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في تهدئة جزئية للأسواق، غير أن طهران سارعت إلى نفيه ووصفت ما ورد فيه بأنه "حرب نفسية".