العقيد كفاح يعيد فارس الحلو إلى التلفزيون
دمشق – شهد الموسم الدرامي الحالي تفاعلا إعلاميا وجماهيريا لافتا مع أداء الفنان السوري فارس الحلو في شخصية العقيد كفاح ضمن مسلسل "مولانا"، حيث تصدّر اسمه عناوين عدد من الصحف والمواقع الفنية والإخبارية، وتحوّل ظهوره بعد غياب طويل عن الشاشة السورية إلى محور نقاش نقدي تناول أبعاد الشخصية وأدوات أدائه التقنية.
واتجهت غالبية القراءات إلى تحليل التحول في اختياراته الفنية وطبيعة الأداء الذي قدّمه في هذا العمل، معتبرة أن حضوره شكّل إضافة نوعية لبنية المسلسل الدرامية.
وتناولت صحيفة الأنباء الكويتية عودة الحلو بوصفها "حدثا مهما في سياق الدراما السورية"، مشيرة إلى أن شخصية العقيد كفاح تؤدي دورا محوريا في تحريك مسار الأحداث، وأن أداءه أضفى "ثقلا دراميا واضحاً" على الخط الرئيسي للعمل. ولفتت الصحيفة إلى أن الحلو نجح في توظيف خبرته المسرحية والتلفزيونية لبناء شخصية سلطوية لا تقوم على الصراخ أو الاستعراض، بل على حضور داخلي متماسك يعكس عمقاً نفسياً واضحا.
كما أفردت قناة الجديد اللبنانية حيزا واسعا للحديث عن هذه الشخصية من خلال أحد برامجها، حيث ذكرت أن عودة فارس الحلو إلى الدراما السورية في "مولانا" أثارت تفاعلا واسعا، وخاصة بعد غياب طويل عن الشاشة المحلية. ووصفت شخصيته في العمل بأنها "صادمة" قياسا بأدواره السابقة، إذ جاءت ببناء أدائي مختلف يعكس قوة حضوره وتأثيره على الجمهور بعد هذه الغيبة الطويلة.
وتناول المجهر أداء الحلو بوصفه أحد أبرز عناصر قوة العمل، لافتا إلى أن الشخصية أسهمت في إعادة إبراز الحضور الدرامي المكثف داخل مشاهد المواجهة، في حين ركّزت العين الإخبارية على التحول في مسيرته، معتبرةً أن الدور يمثل انتقالا واضحا من أدواره ذات الطابع الاجتماعي أو الكوميدي إلى شخصية تتسم بالصرامة والهدوء والسيطرة، ما يعكس رغبة فنية في إعادة تموضع داخل المشهد الدرامي.
وفي سياق التغطيات الإعلامية، أشارت وكالة الأنباء السورية إلى أن عودة الحلو في هذا التوقيت تندرج ضمن حراك أوسع تشهده الدراما السورية لاستعادة أسماء بارزة غابت طويلا، معتبرة أن شخصية العقيد كفاح تمثل نموذجاً للشخصيات المركبة التي تتطلب أداء قائما على العمق النفسي لا على النمطية. وأبرزت الوكالة أن التفاعل الجماهيري مع الدور يعكس تعطش المشاهد إلى أعمال تتناول شخصيات السلطة بطرح درامي يتجاوز الأحادية ويقترب من التحليل الإنساني.
وعلى مستوى منصات التواصل الاجتماعي، تداول متابعون مقاطع من مشاهده على نطاق واسع، وتكررت في التعليقات أوصاف مثل "الهدوء المكثف"، و"قوة النظرة"، و"التحكم بالإيقاع"، وهي عناصر تتقاطع مع ما ذهبت إليه القراءات النقدية في توصيف أدواته الأدائية. واعتبر كثيرون أن حضوره أعاد إلى الواجهة نموذج الممثل الذي يبني شخصيته من الداخل، بعيداً عن المبالغات التي قد تفرضها طبيعة الأدوار العسكرية أو الأمنية.
قدّم فارس الحلو شخصية العقيد كفاح، الضابط في جيش النظام السوري السابق، بوصفها بنية درامية تقوم على توتر داخلي بين صرامة الموقع الرسمي وقلق الضمير الفردي. لم يعتمد على تكريس صورة الضابط الصلب بصيغة أحادية، بل اشتغل على تفكيكها من الداخل عبر أداء تعبيري مكثف خفّف فيه من الانفعال المباشر، وترك للنظرة وحركة الجسد ونبرة الصوت المنخفضة المشدودة مهمة الكشف عن الصراع غير المعلن في النص. هذا “الهدوء المكثف” تحوّل إلى عنصر دلالي أساسي؛ فكلما بدا الأداء أكثر تحفظاً، ازداد الإحساس بالثقل النفسي الذي تحمله الشخصية.
واتسم الأداء بوعي دقيق بإيقاع الحوار وبنية الجملة الدرامية، حيث جاءت الوقفات محسوبة، والصمت موظفا بوصفه أداة تعبير موازية للكلام. وعكست هذه المقاربة خلفية مسرحية واضحة مكّنته من ضبط الإيقاع الداخلي للمشهد ومنح الشخصية مصداقية واقعية بعيدا عن المبالغة أو الاستعراض. كما أن تعامله مع الكاميرا اتسم بتركيز بصري محسوب؛ فالنظرة الثابتة أو الانكسار اللحظي فيها أدّيا وظيفة درامية تكمّل المعنى وتعمّق البناء النفسي المتدرج للشخصية.
يحمل دور العقيد كفاح خصوصية ضمن مسيرة الحلو، إذ يقترب فيه من تمثيل موقع السلطة في النظام البائد من دون الوقوع في التبرير أو الإدانة المباشرة، مقدّما شخصية مركبة قابلة للقراءة ضمن سياقها الدرامي. وإذا كانت معظم التغطيات قد أشادت بعمق الأداء، فإن الدعوات إلى منح الشخصية مساحة أوسع في الحلقات المقبلة تكشف حجم الاهتمام الذي أثاره، وتؤكد أن العمل نجح في تحفيز نقاش نقدي حول أبعاد شخصية العقيد كفاح وأدوات تجسيدها.
ويُذكر أن فارس الحلو ممثل ومخرج مسرحي سوري من مواليد عام 1961 في قرية مشتى الحلو بمحافظة طرطوس، تخرّج في المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق، وعُرف بقدرته على تجسيد الشخصيات المركبة ذات الأبعاد النفسية الواضحة.
من أبرز مشاركاته التلفزيونية شخصية "عبدوش الداشر" في مسلسل "نهاية رجل شجاع"، و"فرحان" في "عيلة خمس نجوم"، و"ربيع" في "خان الحرير"، و"أبو شاهين" في "لعنة الطين".
وفي السينما شارك في أفلام عدة منها "المترجم" و"دمشق مع حبي" و"تحت السقف"، ونال جائزة أفضل ممثل في مهرجان فالنسيا عن فيلم "علاقات عامة".
كما أسس "ورشة البستان للثقافة والفنون" لإقامة ملتقيات في النحت والموسيقا والرسم، وارتبط اسمه بمواقف سياسية أثارت جدلا واسعا خلال السنوات الماضية. إلا أن عودته اليوم عبر "مولانا" أعادت التركيز على مسيرته الفنية وأدواته التمثيلية، مؤكدة أن حضوره لا يزال قادراً على إثارة النقاش وصنع الفارق داخل العمل الدرامي، وأن الشاشة السورية ما زالت تتسع لعودة الأسماء التي تركت بصمة واضحة في تاريخها.







