جريمة قديمة تعود لتقلب الموازين في 'اسأل روحك'
القاهرة ـ فرض مسلسل "اسأل روحك" نفسه كأحد أكثر الأعمال إثارة للجدل والتفاعل، بعدما افتتح حلقاته بلحظة صادمة قلبت موازين الأحداث منذ الدقيقة الأولى. فيديو قديم ينتشر فجأة على مواقع التواصل الاجتماعي، ليوثق اللحظات الأخيرة في حياة الفنانة الشهيرة لوجاينا سلطان.
ويعيد الفيديو فتح ملف قضية أُغلقت قبل سنوات باعتبارها انتحارا، غير أن التفاصيل التي يكشفها المقطع المصوّر تطرح تساؤلات خطيرة حول حقيقة ما جرى، وتدفع وكيل النيابة خالد عطوان إلى إعادة التحقيق في القضية، لتبدأ سلسلة من المواجهات النفسية والتشابكات الدرامية التي تضع الجميع في دائرة الشك.
واتسمت الحلقة الأولى بإيقاع سريع ومونتاج متقن، حيث تنقلت الكاميرا بين الماضي والحاضر بسلاسة، لتؤسس لخط درامي يقوم على لعبة الذاكرة والحقائق المؤجلة. ومع كل حلقة، يتضح أن المسلسل يسرد قصة جريمة ليغوص في طبقات أعمق تتعلق بالذنب والانتقام والخداع، ويطرح سؤالا محوريا: هل يمكن للحقيقة أن تظل مدفونة إلى الأبد؟
وتمثل شخصية وكيل النيابة خالد عطوان، التي يجسدها الفنان أحمد علي، العمود الفقري للأحداث. خالد ليس محققا تقليديا، بل رجل مثقل بماضيه الشخصي، يحمل داخله هاجس العدالة، لكنه يواجه ضغوطا سياسية واجتماعية تحاول إغلاق الملف مجدداً. ومع تقدم التحقيق، تتكشف خيوط معقدة تربط بين عالم الفن والمال والنفوذ، ليجد نفسه في مواجهة شبكة من المصالح التي لا ترغب في ظهور الحقيقة.
وأكد أحمد علي أن الدور شكّل تحدياً كبيراً بالنسبة له، قائلا، "شخصية خالد عطوان ليست مجرد محقق يسعى لكشف جريمة، بل إنسان يصارع شكوكه وماضيه في الوقت نفسه. كل حلقة تكشف جانبا جديدا من شخصيته، ومع تطور التحقيقات سنرى صراعات أكبر".
وأضاف أن المنافسة في الموسم الرمضاني تحفزه لتقديم أفضل ما لديه، خاصة في عمل يعتمد على عنصر التشويق النفسي أكثر من الإثارة المباشرة.
وتبرز شخصية غزالة، التي تقدمها الفنانة ياسمين رئيس، كإحدى أكثر الشخصيات غموضا وإثارة للجدل. وغزالة شابة تحمل ماضيا ملتبسا، تتقاطع حياتها بشكل مفاجئ مع النجمة لوجين سلطان، شقيقة الضحية.
واعتبرت الحلقة 13 نقطة تحول رئيسية في مسار العمل، تنقذ غزالة لوجين من مأزق كبير بعد أن تعيد إليها خاتمها المسروق، ما يعزز الثقة بينهما ويدفع لوجين إلى استضافتها في منزلها. غير أن الأحداث تنقلب سريعاً حين تتهم الخادمة غزالة بالسرقة، لتجد نفسها مجدداً في موقع الاتهام، وسط شكوك تحيط بها من كل جانب.
هذه الحلقة رفعت وتيرة التشويق بشكل لافت، وأكدت أن المسلسل يسير بخط درامي تصاعدي يعتمد على قلب التوقعات.
وحصد أداء ياسمين رئيس إشادة واسعة، خاصة في المشاهد التي مزجت فيها بين الانكسار الداخلي والقوة الظاهرة. وقالت، "غزالة شخصية مليئة بالتناقضات، بين البراءة والاتهام، بين الرغبة في الحماية والخوف من الفضيحة. أحببت هذا التعقيد لأنه يجعل المشاهد في حالة تساؤل دائم: هل يمكن الوثوق بها أم لا؟".
أما شخصية لوجين سلطان، التي تؤديها الفنانة داليا مصطفى، فتمثل الوجه الآخر للمأساة. وتحاول لوجين حماية إرث شقيقتها الراحلة، لكنها في الوقت نفسه تخفي أسراراً قد تقلب مسار التحقيق. العلاقة بينها وبين غزالة تمر بتحولات درامية دقيقة، تبدأ بالتعاطف والثقة، ثم تتجه نحو الشك والريبة، في انعكاس واضح لموضوع العمل الأساسي: هشاشة الحقيقة.
واعتمد المخرج أسامة عرابي معالجة إخراجية تقوم على بناء التوتر تدريجيا، مع تركيز واضح على اللقطات القريبة التي تلتقط أدق الانفعالات. وجاءت الصورة البصرية داكنة في كثير من المشاهد، لتعكس أجواء الغموض، فيما لعبت الموسيقى التصويرية دوراً مهماً في تصعيد الإحساس بالخطر.
وقال عرابي، "أردنا أن يكون العمل رحلة داخل النفس البشرية بقدر ما هو تحقيق جنائي. الجريمة هنا مجرد مدخل لطرح أسئلة عن الذاكرة والانتقام وتأثير الماضي على الحاضر".
ومع تصاعد الأحداث، يدخل على الخط اسم "فؤاد الغول"، الشخصية الغامضة التي تلوح في الخلفية كظل ثقيل. ويشكل وجوده تهديدا لغزالة، ويعيد ترتيب التحالفات داخل العمل. لم يُكشف الكثير عن دوافعه حتى الآن، لكن ظهوره المتكرر في لحظات مفصلية يوحي بأنه يحمل مفتاح اللغز الأكبر.
ويترقب المشاهدون المواجهة المرتقبة بينه وبين خالد عطوان، والتي قد تكشف أبعادا جديدة للقضية.
وتصدّر المسلسل مؤشرات البحث على غوغل بعد عرض الحلقة 13، وتحوّل إلى مادة يومية للنقاش على منصات التواصل الاجتماعي. ووصفت كثير من التعليقات العمل بأنه "دراما نفسية بامتياز"، فيما أشاد آخرون بقدرة السيناريو على خداع المشاهد وإعادة تشكيل القصة في كل حلقة. ويعكس هذا التفاعل نجاح العمل في الإمساك بخيط التشويق دون الوقوع في التكرار.
إلى جانب الخط الرئيسي، يضم المسلسل عددا من القصص الفرعية التي تثري النسيج الدرامي، من بينها علاقة خالد بعائلته وتأثير القضية على حياته الشخصية، إضافة إلى صراعات داخل الوسط الفني تكشف الوجه الخفي للشهرة. هذه الخطوط المتوازية تمنح العمل عمقاً إنسانياً يتجاوز حدود التحقيق الجنائي.
"اسأل روحك" عمل يطرح أسئلة عن معنى الحقيقة وحدود الذاكرة، وعن قدرة الإنسان على مواجهة ماضيه. ومع كل حلقة، يزداد الغموض، وتتعقد العلاقات، ويتأكد أن ما يبدو واضحاً قد يكون مجرد قناع يخفي وراءه واقعاً أكثر قسوة.
ومع اقتراب النصف الثاني من الموسم، ينتظر الجمهور المزيد من المفاجآت، خاصة في ظل تلميحات فريق العمل إلى أحداث "غير متوقعة" ستقلب المعادلة. وإذا استمر الإيقاع على هذا النحو، يبدو أن المسلسل في طريقه ليكون أحد أبرز أعمال رمضان 2026، جامعا بين التشويق النفسي والطرح الإنساني، ومثبتا أن الدراما العربية قادرة على تقديم قصص معاصرة تلامس قلق الجمهور وأسئلته العميقة.


