الشرق الأوسط فوق صفيح ساخن: قراءة في مآلات المواجهة الثلاثية واشنطن تل أبيب طهران
لم يعد الحديث اليوم عن الصراع الدائر بين المحور الأميركي الإسرائيلي من جهة ، والنظام الإيراني من جهة أخرى ، مجرد قراءة في اشتباك عسكري محدود ، بل إننا بصدد زلزال جيوسياسي تتجاوز ارتداداته الحدود الجغرافية المباشرة ؛ لتمس جوهر التوازنات الدولية ومستقبل الممرات المائية والطاقة العالمي، وهذه المواجهة التي انفجرت في الثامن والعشرين من فبراير 2026 م لم تكن وليدة الصدفة، بل هي النتيجة الحتمية لإرهاصات كبرى بدأت بزلزال السابع من أكتوبر 2023، وما تلاه من بروفات عسكرية وسياسية، وضعت المنطقة على حافة الانفجار الكبير.
في ميزان الحروب الكبرى لا توجد مكاسب خالصة، فالخسائر تتوزع على الجميع، لكن النصر يقاس بمدى القدرة على فرض واقع سياسي جديد، حيث ترفع الولايات المتحدة وإسرائيل سقف أهدافهما إلى تغيير النظام الإيراني، وتقويض ترسانته النووية والصاروخية، وهنا يبرز التساؤل الجوهري حول مدى امتلاك واشنطن للنفس الطويل؛ لتحقيق ذلك ، أم أننا أمام تكتيك التراجع المفاجئ، والمراقب لخطابات الرئيس الأميركي الأخير، يلحظ نغمة توحي بالرغبة في الإمساك بزمام توقيت النهاية، فحديثه المتكرر عن تدمير منصات الصواريخ البحرية الإيرانية، قد يكون تمهيدا لإعلان نصر مبكر ووقف الحرب فجأة، وهذا الهروب إلى الأمام، قد يتزامن مع دفع قوى معارضة كالأكراد الإيرانيين للداخل؛ لإكمال المهمة بريا؛ لتجنب واشنطن وحل الاجتياح البري المباشر، مراهنة في الوقت ذاته على دعوات الانشقاق الدبلوماسي التي تحدث عنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في خطابه الأخير؛ لنسف شرعية النظام الإيراني .
في المقابل يدرك النظام الإيراني أن بقاءه مرهون بقدرته على تحويل الصراع إلى أزمة عالمية؛ حيث بدأت استراتيجية توسيع الرقعة بالفعل، من تحريك جبهة لبنان إلى العراق، وصولا إلى الورقة الحوثية التي تمثل التهديد الأكبر للملاحة في باب المندب وللمنشآت الاقتصادية في العمق الخليجي، بالنسبة لطهران فإن ضرب البنية التحتية لدول الخليج ناهيك عن إقدامها مستقبلا على استهداف محطات تحلية المياه ليس مجرد رد فعل، بل هو لغم استراتيجي يهدف لجر المنطقة بأكملها إلى حالة من الفوضى الشاملة، والضغط على العصب الحساس للاقتصاد الأميركي، في إطار سياسة حافة الهاوية، التي تهدف لتحويل الصمود الإيراني حتى وإن كان مثخنا بالجراح إلى نصر معنوي، يعيد الحياة لأذرعها في المنطقة .
خلف الستار العسكري تدور حرب اقتصادية بامتياز؛ حيث تسعى واشنطن عبر هذه المواجهة إلى إحكام قبضتها على مضيق هرمز، ما يعني توجيه ضربة قاصمة للمحور الروسي الصيني ؛ فكسر الهيمنة الإيرانية في الممرات المائية، يعني عمليا قطع الطريق على مبادرة الحزام والطريق الصينية، وإفساح المجال للمشروع البديل المتمثل في الخط التجاري الضخم الذي يربط الهند بدبي وصولا إلى حيفا وأوروبا، إذن نحن أمام إعادة رسم لخارطة التجارة العالمية بقوة السلاح، وفي خضم هذا المشهد المعقد يبدو الموقف العربي هو الأصعب؛ فنحن أمام سيناريوهين : سيناريو انتصار المحور الأميركي الإسرائيلي وما يعنيه من تكريس مشروع الشرق الأوسط الجديد وإسرائيل الكبرى، وتوسيع دائرة التطبيع القسري تحت مظلة الهيمنة المطلقة، أو سيناريو صمود النظام الإيراني، وما يعنيه ذلك من منح الحياة من جديد وبقوة للنموذج الإيراني الطائفي والمليشيات الموالية له في المنطقة العربية، واستمرار استنزاف الدول العربية وتفتيت نسيجها الوطني .
إن هذه الحرب ليست مجرد اشتباك صواريخ ومسيرات، بل هي مخاض لعالم جديد، وإذا لم يبرز مشروع عربي مستقل يمتلك أدوات القوة والمبادرة في هذه اللحظة التاريخية الحرجة؛ فستظل المنطقة العربية مجرد ساحة لتصفية الحسابات بين المشروع الصهيوني والمشروع الصفوي، وكلاهما يقتات على جغرافيا وتاريخ ومستقبل الإنسان العربي .