إيران تختار مرشدها الأعلى الجديد
طهران - في لحظة مفصلية في تاريخ الجمهورية الإسلامية منذ تأسيسها عام 1979، أتم أعضاء مجلس خبراء القيادة في إيران عملية التصويت الكتابي والمختوم لاختيار خليفة للمرشد الراحل علي خامنئي، على ما أكدته مصادر إيرانية مطلعة، دون تقديم مزيد من التفاصيل. وتأتي هذه الخطوة الاستثنائية في ظل ظروف أمنية معقدة وضعت مؤسسات الحكم في طهران أمام تحدي الاستمرارية أو الانهيار.
ولم تكن عملية الاختيار تقليدية؛ فبسبب الاستهداف الجوي المكثف الذي طال مراكز الثقل السياسي والديني، بما في ذلك مكتب المجلس في قم والمبنى التاريخي للمجلس التشريعي في منطقة "باستور" الحصينة بطهران، اضطر الأعضاء للجوء إلى منصات اتصال افتراضية آمنة للمداولة.
ولإضفاء الشرعية الدستورية الكاملة وقطع الطريق أمام أي طعون مستقبلية أو "شبهات فراغ"، اعتمد المجلس آلية "التصويت الموثق"، حيث جرى جمع الأصوات يدوياً وبتواقيع مختومة من الأعضاء في أماكن تواجدهم السرية، لضمان مطابقة الهوية ومنع الاختراقات السيبرانية، تمهيداً لإعلان الاسم الذي سيقود البلاد في مواجهة العاصفة.
ويأتي هذا الإعلان المرتقب تحت ظلال تهديدات إسرائيلية غير مسبوقة؛ حيث وضع وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، "رأس المرشد القادم" على بنك أهداف الاغتيالات قبل أن يبدأ مهامه. ولم تكن تصريحات كاتس في 4 مارس/آذار الجاري لم تكن مجرد حرب نفسية، بل عكست إستراتيجية "قطع الرأس" التي تنتهجها تل أبيب وواشنطن لتقويض هيكلية السلطة الإيرانية.
وأفادت وسائل إعلام إيرانية اليوم السبت بأن اثنين من رجال الدين الإيرانيين البارزين دعوا إلى الإسراع في اختيار زعيم أعلى جديد لقيادة البلاد، ما يشير إلى أن البعض على الأقل في المؤسسة الدينية غير مرتاحين لتولي مجلس من ثلاثة أعضاء السلطة، ولو مؤقتا وفقا للقواعد الدستورية، بعد مقتل الزعيم الأعلى آية الله علي خامنئي.
وذكرت وسائل الإعلام الرسمية أن ناصر مكارم الشيرازي، وهو مرجع ديني كبير، قال إنه من الضروري تعيين زعيم أعلى جديد سريعا "للمساعدة في تنظيم شؤون البلاد على نحو أفضل".
وأصدر اثنان من كبار المراجع الدينية الشيعية فتاوى الأسبوع الماضي تدعو المسلمين في جميع أنحاء العالم إلى الثأر لمقتل خامنئي. وقال مكارم الشيرازي إن ذلك واجب ديني على المسلمين "حتى يستأصل شر هؤلاء المجرمين من العالم".
وقالت وسائل إعلام رسمية إن المرجع الديني الكبير حسين نوري الهمداني حث أعضاء مجلس الخبراء، وهو هيئة دينية مكلفة باختيار الزعيم الأعلى الجديد، على تسريع عملية اختيار خليفة خامنئي.
وتتجه الأنظار الآن نحو هوية الشخصية التي استقرت عليها صناديق الاقتراع المختومة، وسط تساؤلات جوهرية، من بينها هل اختار المجلس شخصية "صدامية" قادرة على إدارة المواجهة العسكرية، أم اتجه نحو خيار "واقعي" يمتلك مرونة دبلوماسية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه؟
كما يلف الغموض كيفية تنصيب المرشد الجديد في ظل سماء غير آمنة؟ وهل سيظهر للعلن فور إعلان النتائج أم سيبقى "مرشداً من الظل" لدواعٍ أمنية؟
وباختصار يمكن القول إن إيران الآن على أعتاب مرحلة "المرشد الثالث"، وهي مرحلة تُكتب تفاصيلها في غرف العمليات العسكرية أكثر مما تُكتب في أروقة الحوزات الدينية. الساعات القادمة لن تحدد فقط من سيجلس على كرسي القيادة، بل ستحدد مسار المواجهة الكبرى في المنطقة وهل ستنزلق نحو حرب شاملة أم ستؤدي لتسوية قسرية تحت ضغط الردع المتبادل.