رحيل صوت نسوي بارز في الأدب العراقي
عمان - فقدت الساحة الثقافية العربية واحدة من أبرز أصواتها برحيل الروائية والمترجمة العراقية لطفية الدليمي، التي توفيت في العاصمة الأردنية عمّان بعد صراع مع المرض، عن عمر ناهز الثمانين عاماً، تاركة خلفها تجربة أدبية وفكرية امتدت لأكثر من خمسة عقود وأسهمت في إثراء السرد العربي الحديث. وقد نعى الراحلة الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، فيما عبّرت أوساط ثقافية عراقية وعربية عن حزنها لفقدان واحدة من أبرز الكاتبات اللواتي دافعن عن حرية الفكر وحقوق المرأة.
وُلدت الدليمي في مدينة بعقوبة بمحافظة ديالى، ونشأت في بيئة شجعتها على القراءة والاكتشاف. وقد درست اللغة العربية وآدابها في جامعة بغداد، قبل أن تبدأ مساراً مهنياً جمع بين التدريس والعمل الصحفي والكتابة الإبداعية. وفي عام 1978 تابعت دراستها للغة الإنجليزية وآدابها في كلية غولدسمث – جامعة لندن، وهو ما أسهم في توسيع أفقها الثقافي وتعزيز اهتمامها بالترجمة والانفتاح على الأدب العالمي.
تشكلت تجربتها الفكرية، كما أشارت في أحد حواراتها، من تفاعل البيئة والتعليم والقراءة الحرة التي لم تخضع للقيود التقليدية، لكنها كانت ترى أن الدافع الذاتي لاستكشاف العالم والتأثير في مساراته يبقى العامل الأكثر حسماً في صياغة شخصية الكاتب. وقد انعكس هذا التوجه على مجمل أعمالها التي اتسمت بالانفتاح الفكري ورفض النظرة الإيديولوجية الضيقة، حيث سعت إلى مقاربة القضايا الإنسانية والعلمية والفلسفية بعقل نقدي متجدد.
وعُرفت الدليمي بأسلوبها السردي الذي يمزج الحس الإنساني بالتأمل الفلسفي، إلى جانب انشغالها الدائم بأسئلة الحرية والهوية والعدالة الاجتماعية. ولم تكن كتاباتها أسيرة منظور أحادي أو خطاب إيديولوجي مغلق، بل ظلت متوهجة بنبرة نقدية تحاور الظواهر الفكرية والعلمية والأدبية بجرأة، مستندة إلى رؤية إنسانية عميقة. وقد استلهمت في مسارها الفكري مقولة الكاتب اليوناني نيكوس كازانتزاكيس الشهيرة: “لا آمل في شيء، لا أخشى شيئاً، أنا حرّ”، معتبرة أن هذه العبارة تختزل جوهر التجربة الإنسانية والكتابية معاً.
وخلال مسيرتها المهنية، عملت الدليمي في تدريس اللغة العربية لسنوات، ثم شغلت منصب محررة للقصة في مجلة “الطليعة” الأدبية العراقية، كما تولت إدارة تحرير مجلة “الثقافة الأجنبية”. وإلى جانب نشاطها الصحفي، كتبت أعمدة ثقافية لسنوات طويلة في عدد من الصحف العربية، كما نشرت قصصها ومقالاتها في مجلات ثقافية متعددة في العالم العربي.
كما كان لها حضور فاعل في الحراك الثقافي النسوي؛ إذ شاركت عام 1992 مع مجموعة من المثقفات في تأسيس “منتدى المرأة الثقافي” في بغداد، قبل أن تؤسس عام 2004 مركز “شبعاد” لدراسات حرية المرأة، في مبادرة هدفت إلى تعزيز الحوار حول قضايا المرأة وحقوقها في المجتمع العراقي.
وتجاوز حضورها حدود العراق، حيث تُرجمت قصصها إلى عدة لغات منها الإنجليزية والبولونية والرومانية والإيطالية، فيما تُرجمت روايتها “عالم النساء الوحيدات” إلى اللغة الصينية. كما شاركت في فعاليات ثقافية دولية، بينها مشاركتها في معرض فرانكفورت الدولي للكتاب بدعوة من معهد غوته عام 2004، حيث قدمت محاضرة عن تجربتها الإبداعية، إضافة إلى مشاركتها في مهرجان القارات الثلاث في جزر الكناري في العام نفسه.
وغادرت الدليمي العراق عام 2006 لتقيم في الأردن، ثم في فرنسا لفترة قصيرة بدعوة من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) للمشاركة في مؤتمر حول حرية الإعلام، قبل أن تستقر لاحقاً في عمّان حيث عاشت حتى وفاتها.
وخلفت الراحلة إرثاً أدبياً واسعاً يضم أكثر من ثلاثين عملاً في الرواية والقصة القصيرة، إلى جانب أكثر من عشرين كتاباً مترجماً وأعمال درامية في المسرح والتلفزيون، فضلاً عن عشرات المقالات والدراسات الفكرية. كما تناولت أعمالها الأكاديمية رسائل ماجستير وأطروحات دكتوراه في عدد من الجامعات العربية والعالمية، ما يؤكد حضورها المؤثر في المشهد الأدبي المعاصر.
برحيل لطفية الدليمي، يفقد الأدب العربي صوتاً تنويرياً بارزاً ظل منحازاً طوال مسيرته لقيم الحرية والمعرفة، فيما يبقى إرثها الإبداعي شاهداً على تجربة أدبية وفكرية غنية ستظل حاضرة في ذاكرة الثقافة العربية لسنوات طويلة.