حدود الوساطات الدبلوماسية في الحرب الإيرانية
من الواضح أن مسار الأزمة الإيرانية قد تخطى حدود السياقات الدبلوماسية، وباتت السياقات العسكرية تطغى على أي تحرك ممكن، لاسيما وأن الأطراف المعنية التي يمكن أن تؤدي دوراً ما، باتت ضمن البيئات الضعيفة التي لا يمكنها ترك أثر إيجابي، ومردُّ ذلك طبيعة العلاقات والمصالح التي تربط هذه الدول بإيران.
وعلى الرغم من أن مجمل الأزمات الإيرانية قبل الحرب قد أخذت مساحات دبلوماسية كبيرة، وفي بعضها توصلت إلى اتفاق برعاية مجلس الأمن الدولي (الدول الخمس الكبرى إضافة إلى ألمانيا)، إلا أن انسحاب الولايات المتحدة قضى على الاتفاق المبدئي، وشَرع الأبواب أمام ما وصلت إليه وقائع الحرب القائمة حالياً.
وفي خضم ما حدث للدول المعنية بالأزمة الإيرانية، وبخاصة في المحيط العربي، قد تأججت الأزمة بالنظر للأثر الإيراني في هذه الدول لجهة المشاريع وبناء أذرع متعددة تقوم مقام إمكانات التدخل الإيراني المباشر؛ الأمر الذي أسهم في تشعب الأزمة وصعّب مسارات حلولها.
هذا الواقع عزز المسارات العسكرية التي قادتها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، إذ تلاشت مسارات التفاوض الممكنة، بخاصة ما صدر من مواقف أمريكية واضحة بعدم الاستعداد حالياً للدخول في مفاوضات لحل الأزمة وإيجاد مخارج ممكنة لبعض الملفات، لاسيما وأن جلسات التفاوض الثلاث التي انطلقت قبل نشوب الحرب لم تتوصل إلى نتيجة يُبنى عليها، خاصة وأن المطلب الأمريكي الإسرائيلي تعدى ملف البرنامج النووي ليشمل أيضاً البرامج الصاروخية، وهي قضايا رفضت طهران بالمطلق مناقشتها أو طرحها على طاولة المفاوضات سابقاً وحالياً.
إن أولى مصاعب المفاوضات أنها ظلت غير مباشرة بين الطرفين الأمريكي والإيراني، وجل ما تم التوصل إليه هو القبول بوساطة سلطنة عُمان لاستضافة المفاوضات في جلستها الأولى قبل انتقالها إلى سويسرا وبرعاية عُمانية أيضاً؛ ويشار هنا إلى قدرة السلطنة على رعاية التفاوض لجهة تميز علاقتها السياسية والدبلوماسية والاقتصادية مع طهران، حيث ظلت بمستويات متميزة عن علاقات دول الخليج الأخرى.
لقد أطاحت طهران بأي إمكانية لمسارات دبلوماسية تفاوضية يمكن أن ترعاها دول الخليج العربية، إذ لم توفر أي دولة من عملياتها العسكرية، حيث قصفت بالصواريخ الثقيلة كلاً من الإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية، وقطر، والبحرين، والكويت. ومن غريب المفارقات أنها شملت في عملياتها العسكرية سلطنة عُمان التي كانت ترعى المفاوضات مؤخراً، والتي كانت تعتبر النافذة المتميزة على طهران. وعلى الرغم من الصورة التي اشتهرت بها طهران لجهة التروي في العمل الدبلوماسي سابقاً، إلا أن ما فعلته مع الدول الخليجية يمثل تهوراً غير مفهوم في العمل الدبلوماسي، ويغلق الباب أمام أي مشاريع يمكن أن تقوم بها هذه الدول.
لقد تمكنت طهران من نسج علاقات ودية متميزة مع دول كثيرة بهدف الاستناد إلى مواقفها التي يمكن أن تؤيدها، كالصين وروسيا وفرنسا، إلا أنه سرعان ما ظهرت صور أخرى لمواقف هذه الدول، جلها اتسم بالحذر وعدم اتخاذ قرارات أو مواقف يُفهم منها دعم واضح لطهران.
فالصين مثلاً، التي ربطت علاقاتها مع إيران باتفاقات اقتصادية هائلة مدتها خمسة وعشرون عاماً وتضمنت مشاريع استراتيجية ممتدة، سرعان ما تبين أن العلاقات التي سُميت استراتيجية لا تعدو كونها مواقف دبلوماسية اتسمت بطابع الحث على وقف العمليات العسكرية واللجوء إلى العمل الدبلوماسي لحل القضايا الكبرى؛ كما تحمل الكثير من ملامح الحفاظ على العلاقات الودية مع الولايات المتحدة الأمريكية، بخاصة أن ما يربط بكين بواشنطن كم هائل من القضايا الاقتصادية والتجارية والمالية، وهي علاقات من الصعب جداً على بكين التخلي عنها أو العبث بها في مثل هذه الظروف الإقليمية والدولية المعقدة. ورغم أن قراءة العلاقات بين البلدين كانت تشير إلى اتفاقات استراتيجية مبرمة بشكل مدروس ونوعي دقيق يلامس حدود الدفاع -ولو لم يُعلن عنها واقعياً ورسمياً- إلا أن بكين لن تتمكن من القيام بمشاريع وساطة لحل الأزمة، لاسيما وأن ثمة إشارات أمريكية واضحة لجهة عدم تحبيذ إعطاء بكين قدرات فاعلة في هذا المجال.
وفي المقلب الآخر المتصل بروسيا ومواقفها من الحرب القائمة، فهو لا يختلف عن الموقف الصيني رغم الاتفاقات الاستراتيجية المعقودة مع موسكو أيضاً، والتي لم تُستثمر بمواقف نوعية تتسم بالمواجهة؛ فمعظم المواقف التي أطلقتها موسكو حتى الآن تقع في سياقات دبلوماسية معنونة بالدعوة للحلول السلمية والابتعاد عن الأعمال العسكرية التي تؤجج الحرب، رغم أن طهران وقفت إلى جانب روسيا في حربها مع أوكرانيا، بل وزودتها بأسلحة (طائرات مسيرة) تمكنت من خلالها من كسب انتصارات واضحة.
أما فرنسا فقدراتها في هذا المجال متواضعة، حيث لا تسمح واشنطن لها بفسح مجالات وازنة لأي عمل يمكن الاستناد إليه، وهو أمر ينسحب أيضاً على معظم الدول الأوروبية التي تبدو إلى الآن دولاً مراقبة وغير قادرة على التأثير في أي مشروع أو مقترح قائم.
في الواقع، تبدو إيران اليوم وحيدة في حربها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، بعد تراجع وتخلي دول كثيرة إقليمية وعالمية عن مساندتها ولو بمواقف دبلوماسية، وباتت اليوم في عزلة إقليمية ودولية غير مسبوقة، وفي وضع لا تُحسد عليه، لاسيما وأن الضغوط التي تُمارس عليها ليست خارجية فحسب، وإنما داخلية أيضاً لجهة محاولة إسقاط النظام من الداخل.
وفي المحصلة، تقف طهران اليوم على مفترق طرق صعب؛ أقله خسارة حرب ستؤسس لنظام إقليمي، ولاحقاً لنظام دولي لا يقل شدة عن القائم حالياً، لاسيما وأن ثمة قوى دولية واعدة ربما تنتظر ما سيلحق بها كالصين وروسيا، والكثير من الدول الإقليمية الوازنة في المنطقة، خاصة وأن ثمة مؤشرات كثيرة تعزز فرضية اشتعال حرب عالمية ثالثة.