معالجة درامية للفهلوة المصرية في 'هي كيميا'
القاهرة- يسود اعتقاد لدى كثيرين أن المصريين لديهم مخزونا وفيرا من الدعابة وفائضا كبيرا من السخرية والضحك. كما تتسم شريحة منهم بالفهلوة، والتي تعني الشطارة والتغلب على الصعاب أحيانا. إذ يمكن تجاوز أزمة أو مشكلة بحلول سريعة وطريقة مبتكرة وجذابة فجأة.
ويمكن أيضا الحصول على مكاسب بغير وجه حق بطريقة تحوي رضاء من المغتصب حقه. تمتد الفهلوة إلى درجة أن لا شيء يستعصي على من يتقنها. يستطيع ادعاء المعرفة وامتلاك مهارات مختلفة تنقذه وقت الملمات.
في سياق هذه المعاني حاول مسلسل المسلسل "هي كيميا" الذي عرض في النصف الأول من شهر رمضان معالجة هذه الجوانب في شكل كوميدي. تقوم فكرته على خبير علوم يعمل في شركة المياه بالقاهرة. جسد دوره الفنان مصطفى غريب (سلطان)، درس واجتهد وتعلم وحصل على درجة الدكتوراه في الكيمياء. يدخل عالم تصنيع المخدرات مع أخيه (حجاج) البارع في تجارتها وقام بدوره المطرب والممثل دياب.
نجح سلطان في تصنيع خلطة سحرية من المخدرات. أعجب بها شقيقه وزبائنه. لفتت الخلطة انتباه التجار. بدأ بعضهم يقبل عليها عقب تأكدتهم من جودتها العالية. مر الوصول إلى هده المرحلة بمفارقات. بدءا من معرفة سلطان أن له أخ غير شقيق ووالده الذي كان يعمل في تجارة المخدرات، وحتى انخراطه في عالمها الخفي وتجارتها المربحة. بين هذا وذاك الكثير من الخيوط الدرامية المتشابكة. جاءت في معظمها في قالب فكاهي. جرى توظيف خفة ظل مصطفى غريب. بدت كوميديا الموقف والاسقاطات الجنسية والاجتماعية طاغية في عدد كبير من المشاهد.
منح المخرج إسلام خيري لطاقم التمثيل حرية كبيرة للارتجال المنضبط. نجح مصطفى غريب في توظيف طاقته الكوميدية المعروفة عنه في أول بطولة مطلقة يحصل عليها. لكن الجديد أن دياب كشف عن حس فكاهي مرتفع ومستوى جيد من الكوميديا. وتخلص إلى حد بعيد من النمطية التي خيّمت على بعض أدواره السابقة. في أداء دور البلطجي والشرير والفهلوي في صورته التقليدية.
يحسب للفنان دياب أنه كان ندا لمصطفى غريب في المشاهد الكوميدية الكثيرة التي جمعت بينهما. لمس الجمهور تلقائية غير مصطنعة لدى كل منهما. ظهر الأداء العام في إطار فني شامل. انعكست المنافسة الخفية بينهما على جودة العمل.
لم تكن الفهلوة الظاهرة في شخصية سلطان مفتعلة. عندما دخل عالم تصنيع المخدرات استغل مهاراته الدراسية في تجاربه المعملية. نجح في تحويل السموم إلى شيء نظيف، على غرار المياه النظيفة المقدمة للجمهور من خلال شركة المياه التي يعمل بها.
حوت توليفة المخدرات التي أوجدها من تركيبات كيميائية معينة فيتامينات ومواد غير ضارة بصحة الإنسان. تؤدي في النهاية إلى الهدف الذي يريده تجار المخدرات. وهو الحصول على الكيف بطريقة تتسق مع قناعات تجاره والمدمنين عليه.
وضع المؤلف مُهاب طارق مجموعة من المتناقضات في القصة. تتضمن شخصيات تدور في فلك سلطان وحجاج. كل منها يحمل صفات بعيدة عن الآخر. من أصدقاء وزوجات وتجار مخدرات. بدا العمل منسجما مع المحور الفني الذي يدور فيه مسلسل "هي كيميا". هناك شخصية عماد وجسدها الفنان ميشيل ميلاد. وهو الصديق المقرب من سلطان الذي يشاركه الخطة، ويتداخل معه في كثير من المواقف الكوميدية.
ضاعف هذا العمل من انتشار ميشيل ميلاد جماهيريا. حيث حافظ على ثيمة فنية خاصة به تغلب عليها السخرية. جاءت متسقة مع أدواره السابقة في مسلسلي "أشغال شقة" و"النص التاني" وفيلم "السادة الأفاضل". ورغم تكرار الدور، إلا أنه قدمه بأشكال مختلفة في كل مرة. جعلته يظهر كأنه بطلا رئيسيا في "هي كيميا". فشخصية العشوائي البوهيمي التي قدمها في هذا العمل أضفت عليه قدرا من الجاذبية. شعر الجمهور في مشاهده بخفة ظل يمكن أن تحوله إلى أحد نجوم الكوميديا بمصر.
كما أن شخصية كوثر (زوجة سلطان) وجسدتها الفنانة مريم الجندي خلقت جانبا إنسانيا في العمل. حيث أدت دور محللة نفسية ومساعدة اجتماعية من خلال تلقي شكاوى الناس عبر الهاتف ومساعدتهم في حلها. دخلت عالم المخدرات عبر عفاف وجسدت دورها ميمي جمال التي تواصلت معها لحل مشكلة خاصة بها ثم اكتشفت أنها زوجة المعلم سلطان. تصاعدت القصة مع استخدام كوثر كأداة للضغط على زوجها وإجباره على تصنيع المخدرات لصالح عصابة عفاف. وكانت زوجة لحجاج.
لم يكتف المؤلف بتشابك الخيوط عند هذا المعنى. حيث خلق خطا جديدا بطلاق حجاج لنبيلة ثلاث مرات ما يستوجب وجود مُحلل. قامت بدور نبيلة الفنانة فرح يوسف. وكان المُحلل أو الزوج الجديد هو عماد صديق سلطان. استغرقت هذه المسألة وقتا طويلا بلا داعي. استخدمت فيها الكثير من الكلمات والإيحاءات الجنسية لتتويج العلاقة عمليا بين نبيلة وعماد حتى يتم الطلاق وعودتها إلى حجاج.
على جانب آخر، كانت هناك تشكيلات من تجار المخدرات الكبار الذين يريدون السيطرة على سلطان واستغلال علمه وتسخيره لصالحهم. بعد أن نجح في تأكيد أن صناعة المخدرات ليست معضلة ولا ترقى إلى تخصصه في مجال الكيمياء. وهو المضمون الذي اشتق منه اسم المسلسل "هي كيميا".
في المقابل، حاول أخيه حجاج تأكيد أن الدكتوراه التي حصل عليها سلطان ليست عصية عليه شخصيا. بالفهوة والتزوير حصل على شهادة تشير إلى نيله الدكتوراه. وكانت العقدة أن شراء الشهادات العليا لا يعني أن أصحابها يجيدون التخصص الذي نالوا عليه الشهادة أو يعرفون أدق تفاصيله.
تعمد العمل الإشارة إلى أن العلم نور والجهل ظلام. شراء العلم بأي ثمن يضفي على الشخص معرفة زائفة. وهي رسالة جادة حواها العمل. مضت شخصية كل من حجاج وسلطان في اتجاهين موازيين. عندما التقيا في نقطة واحدة وهي دخول صناعة المخدرات وتجارتها. وبدا الهدف مختلفا. سلطان يريد ابعاد حجاج عن المخدرات. والأخير يسعى لتحويله إلى عضو رئيسي فيها.
من الطبيعي أن يتغلب منطق سلطان في تخليص أخيه من هذه التجارة المضرة. ثم جره إلى عالمه النقي والنظيف المنسجم مع القانون. رسم سلطان بالتنسيق مع حجاج خطة محكمة لتسليم تجار المخدرات إلى الشرطة. كي يصبح المجتمع نظيفا وخاليا من سمومهم وشرورهم.
قد تكون النهاية تقليدية ونموذجا مكررا. حيث لا ينتصر الشر على الخير في غالبية الأعمال الدرامية. ما يميز "هي كيميا" أن المساحة الزمنية بين دخول سلطان مجال تصنيع المخدرات وخروجه منه لم يكن وحيدا. الغرض إنقاذ أخيه الذي دبر كل شيء من أجل جذب سلطان إلى عالمه الفاسد. لم تخل المشاهد من جرعة كبيرة من الضحك وما يمكن أن تفعله الفهلوة من نتائج إيجابية تبعدها عن الفهم السلبي المتداول عنها.



