الصيد البحري في تونس.. رافعة للاقتصاد الأزرق

برامج استثمارية وإصلاحات لتعصير الموانئ وحماية الثروة السمكية.
دعم حكومي لتعصير موانئ الصيد وتطوير الإنتاج البحري

تونس - يمثّل قطاع الصيد البحري وتربية الأحياء المائية أحد الركائز الحيوية للاقتصاد التونسي، نظراً لما يوفره من آلاف مواطن الشغل ومساهمته المباشرة في دعم الأمن الغذائي وتعزيز الصادرات من المنتجات البحرية. وفي ظل التحديات التي تواجه الثروة السمكية، ولاسيما الضغوط الناتجة عن الاستغلال المفرط لبعض الموارد البحرية، تتجه الدولة إلى تنفيذ سلسلة من الإصلاحات والبرامج الاستثمارية الرامية إلى ضمان استدامة هذا القطاع وتعزيز دوره في دفع النمو الاقتصادي.

وفي هذا السياق، تعمل وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري على تطوير منظومات الإنتاج وتحديث البنية التحتية للموانئ وتعزيز منظومة المراقبة البحرية، إلى جانب تكثيف الدعم لأنشطة تربية الأحياء المائية باعتبارها من أبرز البدائل القادرة على تلبية الطلب المتزايد على المنتجات البحرية. وقد أكد وزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري، عز الدين بن الشيخ، خلال جلسة حوارية بالمجلس الوطني للجهات والأقاليم، أن هذه التوجهات تندرج ضمن رؤية شاملة تهدف إلى تحقيق توازن بين استغلال الموارد البحرية والحفاظ عليها.

وكانت رئيسة الحكومة، سارة الزعفراني الزنزري، قد شددت خلال عرض مشروع قانون المالية لسنة 2026 أمام البرلمان في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، على التزام الحكومة بمواصلة دعم قطاع الصيد البحري، من خلال رصد اعتمادات بقيمة 119 مليون دينار (نحو 41 مليون دولار أميركي) لتمويل برامج تنموية، تشمل أساساً دعم المحروقات الموجهة لمراكب الصيد البحري، إضافة إلى تهيئة وتوسعة عدد من موانئ الصيد وتحسين خدماتها.

وتندرج هذه الإجراءات، وفق ما أوضحه وزير الفلاحة، ضمن استراتيجية وطنية متكاملة تستهدف تطوير البنية الأساسية لموانئ الصيد وأرصفة الإنزال، وتأهيل أسواق الجملة، فضلاً عن تحسين منظومة تسويق المنتجات البحرية في السوقين الداخلية والخارجية، بما يعزز جودة هذه المنتجات ويرفع من قدرتها التنافسية.

وتعكس هذه التوجهات سعي تونس إلى النهوض بقطاع الصيد البحري وتربية الأحياء المائية ضمن رؤية اقتصادية أوسع تقوم على تشجيع الاستثمار وتحسين القيمة المضافة للمنتجات البحرية، بما يعزز دور الاقتصاد الأزرق في دعم النمو وتحقيق التنمية المستدامة.

وشهدت سنة 2025 جملة من الخطوات الإصلاحية المهمة في قطاع الصيد البحري، من أبرزها الانطلاق في مراجعة الإطار القانوني المنظم للقطاع، مع تشديد العقوبات ضد ممارسات الصيد العشوائي والجائر، في إطار الجهود الرامية إلى حماية المخزون السمكي وضمان استدامة الموارد البحرية.

كما تم تعزيز منظومة المراقبة البحرية عبر تتبع أنشطة وحدات الصيد التي يتجاوز طولها 15 متراً بواسطة الأقمار الاصطناعية، حيث تجاوزت نسبة تغطية هذه الوحدات بالأجهزة الطرفية 90 بالمئة، وهو ما يسهم في تحسين مراقبة الأنشطة البحرية والحد من التجاوزات.

وفي إطار تنظيم استغلال الموارد البحرية، تم كذلك تنظيم نشاط صيد وتسمين التّن الأحمر وتوسيع قائمة وحدات الصيد المنتفعة بحصص الاستغلال، إلى جانب إصدار قرار وزاري في أبريل/نيسان 2025 ينظم الصيد البحري الترفيهي. كما شرعت المصالح المختصة في إعداد المخطط المديري لتنمية تربية الأحياء المائية البحرية، وذلك في إطار مشروع دعم الإدارة المستدامة لمصائد الأسماك وتربية الأحياء المائية في تونس.

وتتواصل هذه الجهود خلال السنة الحالية من خلال تنفيذ برامج تهدف إلى إحكام التصرف في الموارد البحرية الحية، خاصة في المناطق الساحلية قليلة العمق، إلى جانب دعم الاقتصاد الأزرق عبر تثمين منتجات الصيد البحري وتحديث البنية التحتية لموانئ الصيد.

وفي هذا الإطار، تعتزم وزارة الفلاحة تنفيذ برنامج لتحديث الموانئ وتطوير منظومة التكوين المهني في القطاع، فضلاً عن إطلاق مشروع إصلاح وتهيئة ميناء الصيد البحري بصفاقس.

كما يشمل برنامج التطوير تعزيز نشاط تربية الأحياء المائية عبر الترفيع في نسبة الإنتاج المحلي من مدخلات الإنتاج وإدخال تقنيات وأنواع جديدة، إضافة إلى دعم البحث العلمي وتثمين نتائجه. وقد تم رصد منح استثمارية تناهز قيمتها 7.7 مليون دينار (نحو 2.6 مليون دولار أميركي) لدعم المشاريع في هذا المجال، بهدف تشجيع الاستثمار وتوسيع الطاقة الإنتاجية.

ومن جهة أخرى، يتواصل العمل على تأهيل البنية المينائية وتعصير الخدمات من خلال تنفيذ مشاريع تطوير بعدد من موانئ الصيد، من بينها قليبية وطبلبة وقلعة الأندلس والمهدية والزارات وصيادة، إلى جانب الانطلاق في مشروع توسعة ميناء الصيد البحري بمنزل عبدالرحمان بكلفة تقدّر بنحو 24 مليون دينار (نحو 8.2 مليون دولار أميركي).

ولضمان استمرارية نشاط الصيد البحري ومساندة البحارة، ولاسيما صغار المهنيين، تواصل الدولة توفير دعم للمحروقات بقيمة تقارب 82 مليون دينار (نحو 28 مليون دولار أميركي)، إلى جانب تعزيز التعاون الإقليمي والمتوسطي في مجال حماية الثروة السمكية وضمان الاستغلال المستدام للموارد البحرية.