الدراما السورية تمنح الأطفال مساحة أكبر على الشاشة
دمشق - لم يعد حضور الأطفال في الدراما السورية خلال السنوات الأخيرة مقتصراً على ظهور عابر في سياق الحكاية، بل تحوّل إلى عنصر أساسي في بنية السرد الدرامي. فقد برزت مواهب صغيرة استطاعت أن تفرض حضورها على الشاشة من خلال أدوار مؤثرة تضيف بعداً إنسانياً وعاطفياً إلى الأعمال، وتمنح القصص قدراً أكبر من العفوية والصدق، بما يعكس عالم الطفولة بكل ما يحمله من براءة وحساسية تجاه ما يدور في محيطها العائلي والاجتماعي.
ولفت خلال موسم دراما رمضان لهذا العام، عدد من الأطفال الأنظار بأدائهم المتميز، حيث أسهمت الشخصيات التي قدموها في تعزيز الخطوط الدرامية المرتبطة بالعائلة والحياة اليومية، كما عكست أدوارهم تأثير التحولات الاجتماعية والأسرية في حياة الأطفال.
ومن أبرز هذه المواهب زيد البيروتي في مسلسل "بخمس أرواح"، وروسيل إبراهيم في مسلسل "أنا وهي وهيا"، وناصر عبود في مسلسل "مطبخ المدينة"، إلى جانب الطفل ورد السمان في مسلسل "عيلة الملك"، حيث ترك كل منهم بصمته الخاصة داخل العمل الذي شارك فيه.
الطفل السوري زيد البيروتي لفت الأنظار من خلال مشاركته في مسلسل "بخمس أرواح"، حيث قدّم شخصية "جود"، الطفل المرتبط عاطفياً بوالدته في سياق درامي يعكس تعقيدات العلاقات العائلية.
وأضفى وجود البيروتي في العمل بعداً إنسانياً واضحاً، خاصة في المشاهد التي جمعته بشخصية "سماهر"، حيث ظهرت العلاقة بين الأم وابنها مليئة بالمشاعر والدفء، ما جعل هذه اللحظات من أكثر المشاهد تأثيراً لدى الجمهور. كما أظهر زيد قدرة لافتة على التفاعل مع نجوم العمل، في تجربة تعكس موهبة واعدة في عالم الدراما.
وقدمت الطفلة روسيل إبراهيم في مسلسل "أنا وهي وهيا"، دوراً مؤثراً ضمن عمل اجتماعي يتناول العلاقات العائلية المعقدة والتغيرات التي قد تطرأ على الروابط الإنسانية داخل الأسرة.
جسّدت روسيل شخصية طفلة تعيش تأثير الصراعات العائلية بعين بريئة، وقدّمت مشاهد عاطفية عبّرت عن رغبة الأطفال الدائمة في استعادة الاستقرار الأسري. وجاء أداؤها صادقاً في المشاهد التي حملت مشاعر الحزن والحنين، ما جعل حضورها محط اهتمام الجمهور، خاصة أن دورها يعكس واقعاً يتكرر كثيراً في الدراما الاجتماعية.
وسجل الطفل ناصر عبود حضوراً مميزاً في مسلسل "مطبخ المدينة"، حيث لعب دور الطفل "عمران" الذي تنجبه والدته "نورا" دون أن تخبر والده عنه حتى تبعده عن عصابات التسول.
وأسهمت مشاهد عبود في إبراز الجانب العاطفي بالعمل، خصوصاً في اللحظات التي تظهر تمسك والدته المستميت عنه في مواجهة الأزمات. كما أظهر ناصر قدرة واضحة على التعبير عن مشاعر القلق والخوف الذي تعيشه الشخصية مع تطور الأحداث، خاصة بعد حادثة خطفه من قبل فرزات، ليقدم أداءً عفوياً أضفى صدقاً على الشخصية.
وفي مسلسل "عيلة الملك" تظهر شخصية "أبو الهيكل" التي يؤديها الطفل ورد السمان كإحدى الشخصيات الطفولية اللافتة داخل الحي الشعبي الذي تدور فيه بعض أحداث العمل.
ورغم البيئة المتواضعة التي يعيش فيها، يتميز "أبو الهيكل" بحبه الواضح للأناقة والاهتمام بمظهره، إذ يحرص على ارتداء ملابس لافتة ونظارات وإكسسوارات تضفي على حضوره طابعاً مختلفاً عن أقرانه، ويبدو هذا الاهتمام بالمظهر انعكاساً مباشراً لتأثره بوالده، الذي يسعى الطفل إلى تقليده في أسلوبه وهيئته.
ويعيش "أبو الهيكل" في الحي الشعبي ذاته الذي يسكنه عوني وإخوته أبطال العمل، ومن خلال هذه الشخصية يقدّم العمل صورة طفولية تجمع بين البراءة والطموح الصغير لتقليد الكبار، حيث تبدو محاولاته للاهتمام بمظهره وكأنها محاولة لإثبات حضور مختلف داخل بيئة بسيطة، وهو ما يضيف لمسة خفيفة وطريفة إلى أجواء المسلسل.
تكشف مشاركة الأطفال في المسلسلات السورية الحديثة عن توجه واضح لدى صناع الدراما لمنح هذه المواهب مساحة أوسع داخل الأعمال، بما يضفي عمقاً إنسانياً على الحكايات، ويجعل حضور الطفولة عنصراً فاعلاً في بناء المشهد الدرامي، لا مجرد ظهور عابر.