دول الخليج لم تطلب الحرب ولن تقبل بسلام هش
واشنطن - تجد دول الخليج نفسها اليوم في قلب معادلة معقدة، أشبه برقصة على حافة سكين، فهي لم تطلب من الولايات المتحدة إشعال الحرب مع إيران، لكنها في الوقت ذاته لا ترى في وقفها السريع الآن حلا، ما لم تُحسم معضلة أمن مضيق هرمز، الشريان الذي تتدفق عبره حياة اقتصاداتها.
ومع ذلك فإن من مصلحة دول الخليج التي تعتمد على إيرادات الطاقة موردا أساسيا لموازناتها، أن تتوقف هذه الحرب التي لم تعد تهدد فقط امدادات النفط للعالم وانتاجها من الخام، بل تهدد سلاسل امدادات الغذاء خاصة والتجارة عموما في المضائق المائية الحيوية التي هي في مرمى النيران الإيرانية وبعضا من وكلائها.
وبحسب مصادر خليجية ودبلوماسية، فإن العواصم الخليجية لم تكن يوما من دعاة الحرب، بل عارضت في بداياتها التصعيد العسكري، غير أن المعادلة تبدلت مع انتقال الهجمات الإيرانية من ساحات بعيدة إلى عمق الخليج، حيث استهدفت الصواريخ والطائرات المسيرة مطارات وموانئ ومنشآت نفطية ومراكز مدنية، ما جعل التهديد ملموسا ومباشرا.
وهذا التحول دفع قادة الخليج إلى إعادة تقييم الموقف، فباتت الأولوية لا تتعلق بوقف الحرب بقدر ما ترتبط بنتائجها، فوقف القتال دون إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، وفق هذا التصور، يعني ببساطة العودة إلى دائرة التهديد ذاتها، وربما بشكل أكثر خطورة.
ويكمن جوهر القلق الخليجي في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس إمدادات النفط العالمية، فقد أظهرت إيران، خلال الأسابيع الماضية، قدرة على تعطيل حركة الملاحة والتأثير على تدفق الطاقة، ما أثار مخاوف من إمكانية استخدام هذا الممر الحيوي كورقة ضغط استراتيجية في أي تصعيد مستقبلي.
وتشير تقديرات إلى أن ترك إيران تحتفظ بقدراتها الهجومية، سواء الصاروخية أو المرتبطة بالطائرات المسيرة، سيبقي دول الخليج رهينة تهديد دائم، يتجدد مع كل أزمة سياسية أو عسكرية. لذلك، يتنامى داخل هذه الدول اتجاه يدعو إلى ضرورة "استكمال المهمة" وعدم الاكتفاء بضربات محدودة قد لا تغير ميزان القوى.
في المقابل، تواجه دول الخليج ضغوطا أميركية متزايدة للانخراط بشكل مباشر في الحرب، في محاولة من واشنطن لإضفاء طابع إقليمي أوسع على عملياتها وتعزيز شرعيتها الدولية، إلا أن هذا الطرح يصطدم بحذر خليجي واضح، إذ تدرك هذه الدول أن الانخراط العسكري المباشر قد يفتح الباب أمام ردود فعل إيرانية أوسع وأكثر إيلاما.
وهنا تتجلى المعضلة الاستراتيجية: كيف يمكن تحقيق الأمن دون الانجرار إلى حرب شاملة؟ فالدول الخليجية تسعى إلى إضعاف التهديد الإيراني، لكنها في الوقت نفسه تخشى أن يؤدي التصعيد غير المحسوب إلى إشعال مواجهة إقليمية واسعة قد تخرج عن السيطرة.
وحتى الآن، يبدو أن الخيار المفضل هو ما يمكن وصفه بـ"ضبط النفس المسلح": دعم الجهود الأميركية بشكل غير مباشر، وتعزيز الدفاعات الجوية، مع تجنب الانخراط في عمليات هجومية مفتوحة. كما أن العمل الجماعي داخل مجلس التعاون الخليجي لا يزال محدودا، حيث لم تتبلور حتى الآن استراتيجية موحدة أو تحرك عسكري مشترك.
وفي خلفية هذا المشهد، يبرز هاجس آخر لا يقل أهمية، وهو صورة الاستقرار التي بنتها دول الخليج خلال السنوات الماضية لجذب الاستثمارات وتنويع اقتصاداتها، فالهجمات الأخيرة لا تهدد فقط تدفق النفط، بل تقوض أيضا الثقة الدولية في بيئة الأعمال والأمن في المنطقة.
ويرى محللون أن الخطر الأكبر من وجهة نظر الخليج لا يتمثل في استمرار الحرب بحد ذاته، بل في انتهائها دون معالجة جذور التهديد، فانسحاب الولايات المتحدة قبل تحقيق أهداف واضحة قد يترك هذه الدول في مواجهة مباشرة مع إيران، دون مظلة ردع كافية.
وفي الوقت ذاته، لا تزال المخاوف قائمة من أن يؤدي أي تصعيد إضافي إلى توسيع رقعة الحرب، خاصة في ظل تشابك المصالح الدولية واعتماد اقتصادات كبرى، مثل الصين واليابان، على نفط الخليج وهو ما يفتح الباب أمام احتمال تدويل أمن المضيق، عبر تحالفات أوسع قد تتجاوز الإطار الإقليمي.
وتقف دول الخليج أمام مفترق طرق دقيق، فهي لا تريد حربا لم تبدأها، لكنها أيضا لا تقبل بسلام هش يترك شريانها الحيوي تحت رحمة التهديد. وبين هذين الخيارين، تحاول رسم مسار ثالث، يوازن بين الردع وتجنب الانفجار الكبير، في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ المنطقة الحديث.