إيران تنقل الحرب إلى قلب منظومة الطاقة العالمية
الكويت/واشنطن – توسّعت رقعة التصعيد الإقليمي، الجمعة، مع إعلان السعودية والكويت والإمارات التصدي لهجمات إيرانية بصواريخ وطائرات مسيّرة، فيما تمكنت البحرين من احتواء تداعيات سقوط شظايا تسببت بحريق محدود، في تطورات تعكس انتقال المواجهة إلى مرحلة أكثر حساسية وخطورة.
وأعلنت شركة شل أن الإصلاح الكامل للخط الثاني في منشأة اللؤلؤة لتسييل الغاز في قطر سيستغرق نحو عام، في تأكيد لتداعيات الهجمات الإيرانية الأخيرة على قطاع الطاقة في المنطقة، وما تحمله من انعكاسات بعيدة المدى على الإمدادات العالمية.
ويعد هذا التقدير الزمني مؤشرا واضحا على حجم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للغاز الطبيعي المسال، خاصة أن منشأة اللؤلؤة تعد من أبرز مشاريع التسييل في العالم، وتلعب دورا محوريا في تلبية الطلب العالمي، لا سيما في الأسواق الآسيوية.
في المقابل، أوضحت الشركة أن الخط الأول في المنشأة لم يتعرض لأي أضرار، ما سمح باستمرار جزء من العمليات التشغيلية، وهو ما يحد نسبيا من حجم الخسائر الفورية. كما أكدت أن مشروع 'قطر للطاقة للغاز الطبيعي المسال 4' لم يتأثر بالهجمات، وهو المشروع الذي تمتلك فيه قطر للطاقة الحصة الأكبر، فيما تملك شل 30 بالمئة، مع حصة إنتاجية تبلغ نحو 2.4 مليون طن سنويا.
ورغم استمرار بعض خطوط الإنتاج، فإن تعطل أحد خطوط التسييل لفترة تمتد إلى عام كامل يسلط الضوء على هشاشة سلاسل الإمداد في ظل التصعيد العسكري، فإصلاح منشآت الغاز يتطلب وقتا طويلا نظرا لتعقيد بنيتها التقنية، ما يعني أن تأثير الهجمات لن يكون آنيا فقط، بل سيمتد لعدة فصول قادمة.
ويأتي هذا التطور في سياق تصعيد إقليمي أوسع، حيث باتت منشآت الطاقة هدفا مباشرا في المواجهة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. ويعزز استهداف منشآت الغاز في قطر، إلى جانب الهجمات على مصافي النفط في الخليج، المخاوف من اضطرابات ممتدة في أسواق الطاقة العالمية.
كما أن طول فترة الإصلاح يضع ضغوطا إضافية على الدول المستوردة للغاز الطبيعي المسال، التي قد تضطر للبحث عن بدائل في سوق تعاني أصلا من شح الإمدادات وارتفاع الأسعار. وفي ظل اعتماد العديد من الاقتصادات الكبرى على الغاز القطري، فإن أي تعطيل طويل الأمد قد يعيد رسم خريطة تدفقات الطاقة العالمية.
وتكشف هذه التطورات أن تداعيات الحرب لم تعد محصورة في الميدان العسكري، بل امتدت بوضوح إلى البنية التحتية الحيوية للطاقة، حيث تتحول كل ضربة إلى عامل مضاعف للأزمة، وكل يوم تأخير في الإصلاح إلى تكلفة إضافية على الاقتصاد العالمي.
وفي السعودية، أعلنت وزارة الدفاع اعتراض وتدمير 26 طائرة مسيّرة منذ ساعات الفجر، توزعت بين أجواء منطقة الجوف شمالا والمنطقة الشرقية، ما يشير إلى اتساع نطاق الهجمات جغرافيا. وفي الإمارات، أكدت وزارة الدفاع أن الدفاعات الجوية تعاملت مع 4 صواريخ باليستية و26 طائرة مسيّرة، في واحدة من أكبر موجات الهجوم منذ بدء التصعيد.
أما في الكويت، فأعلنت وزارة الدفاع التصدي لعدة دفعات من الصواريخ والمسيّرات، في وقت أكدت فيه مؤسسة البترول الكويتية تعرض مصفاة ميناء الأحمدي لهجوم بطائرات مسيّرة، أدى إلى اندلاع حريق في بعض الوحدات التشغيلية. ويعد هذا الاستهداف الثاني للمصفاة خلال 24 ساعة، ما يسلط الضوء على تركيز الهجمات على منشآت حيوية في قطاع الطاقة.
ورغم احتواء الحريق وعدم تسجيل إصابات بشرية، اضطرت السلطات إلى إغلاق عدد من وحدات المصفاة كإجراء احترازي، فيما باشرت فرق الطوارئ التعامل مع الأضرار. وفي البحرين، أعلنت وزارة الداخلية أن الدفاع المدني أخمد حريقا في مستودع لإحدى الشركات نجم عن سقوط شظايا، دون تسجيل إصابات.
وتأتي هذه التطورات في سياق حرب مستمرة منذ 28 فبراير/شباط بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، حيث تبادلت الأطراف الضربات العسكرية في عدة جبهات، غير أن اللافت في الهجمات الأخيرة هو اتساع نطاقها ليشمل دولا خليجية لم تكن طرفا مباشرا في العمليات، ما يعكس تحولا في طبيعة المواجهة.
وتبرز في هذا السياق معادلة واضحة تحكم السلوك الإيراني: إيران تنقل الحرب إلى قلب منظومة الطاقة العالمية. فاستهداف المصافي والمنشآت النفطية لا يهدف فقط إلى إلحاق أضرار مباشرة، بل إلى إحداث تأثير أوسع على أسواق الطاقة الدولية، ورفع كلفة استمرار الحرب على خصومها.
كما أن تكرار استهداف منشآت مثل مصفاة ميناء الأحمدي يعزز المخاوف من اضطرابات في الإمدادات، خاصة أن المنطقة تمثل أحد أهم مراكز إنتاج وتصدير النفط عالميا. ويأتي ذلك في وقت حرج تشهد فيه الأسواق حساسية مفرطة تجاه أي تهديد للإمدادات.
في المقابل، أدانت الدول المستهدفة هذه الهجمات، مشيرة إلى أنها طالت أعيانا مدنية وأدت في بعض الحالات إلى سقوط ضحايا. وتؤكد هذه الإدانات أن التصعيد الحالي لا يقتصر على البعد العسكري، بل يمتد إلى تهديد الاستقرار الإقليمي والاقتصادي.
ومع استمرار تبادل الضربات، تبدو المنطقة أمام مرحلة مفتوحة على مزيد من التصعيد، حيث لم تعد المواجهة محصورة بين أطرافها الأساسية، بل امتدت لتشمل فضاء أوسع، تتداخل فيه الجغرافيا مع الاقتصاد، وتتحول فيه منشآت الطاقة إلى أهداف مباشرة في صراع تتجاوز تداعياته حدود المنطقة.
ويشكل الهجوم على مصفاة ميناء الأحمدي فجر الجمعة أخطر تطور في مسار استهداف البنية التحتية للطاقة في الخليج. ورغم أن الأضرار اقتصرت على اندلاع حريق في بعض الوحدات دون خسائر بشرية، فإن الرسالة الإيرانية بدت واضحة: نقل المعركة إلى قلب منظومة الطاقة العالمية، فالمصفاة تعد من أهم مرافق التكرير في المنطقة، واستهدافها، حتى بشكل محدود، يضع إمدادات النفط تحت ضغط مباشر ويغذي مخاوف الأسواق.
بالتوازي، صعّدت إسرائيل عملياتها داخل العمق الإيراني، معلنة استهداف منشآت حكومية في طهران ومقتل علي محمد نائيني، المتحدث باسم الحرس الثوري ونائب مسؤول العلاقات العامة. هذا الاغتيال يندرج ضمن استراتيجية إسرائيلية قائمة على تفكيك البنية القيادية والعسكرية لإيران، عبر استهداف شخصيات محورية في منظومة القرار الأمني والإعلامي، في محاولة لإرباك القيادة الإيرانية وتقويض قدرتها على إدارة الحرب.
هذا التوازي بين الضربات الاقتصادية والاغتيالات العسكرية يكشف عن معادلة تصعيد متبادل: إيران تضغط على الاقتصاد العالمي وحلفاء واشنطن، وإسرائيل ترد بضرب مراكز الثقل داخل النظام الإيراني، غير أن هذه المعادلة لا تقود إلى حسم، بل إلى توسيع رقعة المخاطر.
ويظهر الانعكاس الأبرز لهذا التصعيد في أسواق الطاقة، حيث استقر سعر خام برنت عند نحو 108 دولارات للبرميل وسط مخاوف من اضطرابات طويلة الأمد. فإغلاق إيران الفعلي لمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 في المئة من إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال عالميا، خلق صدمة في سلاسل الإمداد، انعكست في تراجع تدفقات النفط بنحو 12 مليون برميل يوميا، أي ما يعادل 12 في المئة من الطلب العالمي.
وهذه الأرقام ليست مجرد مؤشرات اقتصادية، بل إشارات إنذار لنظام الطاقة العالمي، فتعويض هذا النقص يبدو معقدا، خاصة لقطاعات النقل والشحن والصناعة الثقيلة التي تعتمد بشكل مباشر على إمدادات مستقرة.
وحتى في حال توقف الحرب قريبا، تشير التقديرات إلى أن استعادة التدفقات قد تستغرق ستة أشهر على الأقل، ما يعني أن آثار الأزمة ستبقى ممتدة.
وتحاول الولايات المتحدة حشد دعم دولي لتأمين الملاحة في مضيق هرمز، غير أن الاستجابة جاءت مشروطة، فقد أعربت دول أوروبية كبرى إلى جانب اليابان وكندا عن استعدادها للمساهمة في حماية الممرات البحرية، لكنها ربطت ذلك بوقف الأعمال القتالية، فيما يعكس هذا الموقف ترددا دوليا واضحا في الانخراط العسكري، وميلا إلى الدفع نحو التهدئة بدل التصعيد.
ويضع الشرط الأوروبي واشنطن أمام معادلة دقيقة: لا يمكن تأمين المضيق دون تهدئة، ولا يمكن التهدئة بسهولة في ظل استمرار الضربات المتبادلة. كما أن حلفاء الولايات المتحدة في الخليج، الذين باتوا عرضة مباشرة للهجمات، قد يضغطون بدورهم باتجاه وقف التصعيد لحماية منشآتهم الحيوية.